قال المحلل السياسي دان بيري إن نتائج اختبارات «بيزا 2025» بددت الاعتقاد السائد لدى قطاعات من الإسرائيليين بأن ضعف جهاز التعليم يعود أساسًا إلى المدارس الحريدية والعربية، مؤكدًا أن التراجع الحاد وقع داخل التعليم الرسمي الناطق بالعبرية.
وأوضح بيري، في حديث لموقع «بكرا»، أن نتائج الطلبة الإسرائيليين سجلت أدنى مستوى منذ مشاركة إسرائيل في الاختبارات، بعدما انخفض متوسط القراءة من 474 نقطة عام 2022 إلى 436 نقطة عام 2025، بتراجع بلغ 38 نقطة خلال ثلاث سنوات.
وأضاف أن علامة الرياضيات انخفضت 25 نقطة إلى 433، فيما تراجعت العلوم 23 نقطة إلى 442، لتصبح إسرائيل دون متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في المجالات الثلاثة.
وقال بيري: «المعطى الذي يجب أن يقلق إسرائيل هو أن الانهيار لم يحدث على هامش جهاز التعليم، بل في قلبه. الانخفاض الأكبر سُجل في التعليم الرسمي الناطق بالعبرية، ولذلك لا يمكن تفسيره فقط بنتائج المدارس الحريدية أو العربية».
وأشار إلى أن طلاب المدارس الحريدية، ولا سيما الذكور، لا يحظون بتمثيل كامل في عينة الاختبارات. ووفق وثيقة صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست بشأن اختبارات عام 2022، شكّل الفتيان الحريديم 3% فقط من العينة الفعلية قبل احتساب الأوزان، مقابل 9% في العينة الأصلية، بسبب رفض مدارس حريدية كثيرة المشاركة.
وأضاف أن نتائج الطالبات الحريديات في اختبارات 2022 لم تتناسب مع الصورة التي تحمل هذا القطاع مسؤولية خفض المعدل العام. فقد حصلن على 522 نقطة في القراءة، متفوقات على طالبات التعليم الرسمي الناطق بالعبرية، وسجلن 474 نقطة في الرياضيات، وهي نتيجة قريبة من نتائجهن.
تراجع المتفوقين واتساع الفجوات
ولفت بيري إلى أن الأزمة لا تقتصر على الطلبة ذوي التحصيل المنخفض، بل تشمل المتفوقين أيضًا. فقد تراجعت نسبة المتفوقين في القراءة من 11% إلى 5%، فيما بقيت الفجوة بين الطلبة الأقوى والأضعف من بين الأكبر عالميًا.
وأضاف أن تقلص بعض الفجوات التعليمية لم ينتج عن تحسن أداء الفئات الأضعف، بل عن تراجع نتائج الطلبة الأقوى.
وتطرق بيري إلى موقف الطلبة من التعليم، مشيرًا إلى أن 37% من الطلبة في إسرائيل قالوا إن المدرسة كانت «مضيعة للوقت»، مقابل 24% في المتوسط بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
كما أفاد 68% من الطلبة بأنهم يشعرون بالفضول تجاه أمور مختلفة، مقابل 73% في دول المنظمة. وأظهرت النتائج ارتفاع عدد الطلبة الذين يتغيبون عن الدراسة، إلى جانب زيادة عدد المدارس التي يقول مديروها إنها تعاني نقصًا في الموارد.
الحرب لا تفسر الاتجاه بالكامل
وقال بيري إن الحرب قد تفسر جزءًا من الانخفاض المسجل في عام 2025، لكنها لا تشكل تفسيرًا كافيًا، لأن الاتجاه السلبي بدأ قبلها.
وأضاف أن جائحة كورونا لا تفسر وحدها الفجوة بين إسرائيل والدول المتقدمة، نظرًا إلى أن أجهزة التعليم في الدول الأخرى واجهت الأزمة نفسها.
وأكد أن ضعف نتائج المدارس العربية لا يفسر التراجع الأخير أيضًا، موضحًا أن الفجوة بين التعليم العربي والعبري تقلصت لأن أداء التعليم الناطق بالعبرية تراجع بوتيرة أسرع، وليس نتيجة تحسن كافٍ في المدارس العربية.
أزمة المعلمين وتسييس التعليم
ورأى بيري أن معالجة الأزمة تبدأ بجعل مهنة التعليم قادرة على جذب أصحاب الكفاءات، من خلال تحسين الأجور والمكانة المهنية وظروف العمل وتقليل الضغط والاستنزاف.
وقال إن إسرائيل تطالب المعلمين بأداء واحدة من أكثر الوظائف أهمية وتعقيدًا، لكنها لم توفر لهم على مدى سنوات مسارًا مهنيًا واقتصاديًا جاذبًا.
وأضاف أن التبدل المستمر لوزراء التعليم وسياساتهم حوّل الجهاز إلى ساحة للصراع حول الهوية والدين والقومية، في حين يحتاج التعليم إلى خطة تمتد لعقود وتتجاوز عمر الحكومات.
كما دعا إلى اعتماد تدريس الرياضيات والعلوم والإنجليزية شرطًا للحصول على التمويل العام، خصوصًا في المدارس الحريدية، لكنه شدد على أن نتائج «بيزا» تثبت أن غياب المواد الأساسية في هذا القطاع ليس المشكلة الوحيدة أو الرئيسية.
الحاجة إلى سياسة طويلة الأمد
ودعا بيري إلى اتفاق واسع يحدد المعارف والمهارات التي يجب أن يمتلكها كل طالب عند بلوغه سن الخامسة عشرة، وحجم الاستثمار المطلوب لجذب معلمين مؤهلين، والآليات اللازمة لقياس النتائج.
وقال إن ساعات التدريس محدودة، وإن تدريس اليهودية والتراث قد يكون جزءًا من المنهاج، لكن تخصيص الساعات يجب أن يأخذ في الحسبان التراجع في القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم.
وختم بيري بالقول إن التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري لإسرائيل يرتبط بنوعية التعليم وقدرة الجهاز على إعداد أجيال قادرة على التفكير والبحث والابتكار.
وأضاف: «نتائج بيزا 2025 تنهي الوهم القائل إن استبعاد المدارس الحريدية والعربية من الحساب سيكشف عن جهاز تعليم غربي يعمل بصورة جيدة. التراجع موجود داخل ما يعتبره كثيرون قلب إسرائيل الحقيقية».
[email protected]
أضف تعليق