كشفت دراسة أجرتها باحثتان من جامعة بار إيلان أن طريقة تمويل التعليم عبر السلطات المحلية تعمّق الفجوات بين الطلاب، إذ تتيح للبلدات المقتدرة تطوير برامج تعليمية واسعة، بينما تضطر السلطات الضعيفة إلى إنفاق مواردها المحدودة على الاحتياجات الأساسية للمدارس والطلاب.
وأجرت الدراسة البروفيسورة إيريس بن دافيد هدار، المحاضرة في كلية التربية بجامعة بار إيلان، والدكتورة روت معوديد. وفحصت الباحثتان حجم الأموال التي تخصصها كل سلطة محلية للتعليم، إضافة إلى الميزانيات التي تحصل عليها من الدولة، وطريقة استخدام هذه الموارد.
قدرة الإنفاق
وتبين أن وزارة التربية تعتمد آلية تمويل تهدف إلى تقليص الفجوات، بحيث تحصل السلطات الضعيفة على مخصصات أعلى عن كل طالب مقارنة بالسلطات المقتدرة. غير أن الأموال التي تضيفها السلطات المحلية من مواردها الذاتية تقلص أثر هذه السياسة، لأن السلطات الغنية تستطيع زيادة الإنفاق على التعليم بمبالغ تفوق ما تستطيع السلطات الضعيفة تخصيصه.
وبحسب الدراسة، تستطيع بعض السلطات المقتدرة إضافة ميزانيات تعادل ضعفي المبلغ الذي تحصل عليه من الدولة أو ثلاثة أضعافه. ويؤدي هذا التفاوت إلى نشوء واقع تعليمي مختلف بين الطلاب، حتى عندما يدرسون ضمن جهاز تعليمي واحد ويخضعون للسياسات والامتحانات الرسمية نفسها.
وتوجه السلطات القوية مواردها إلى فتح تخصصات تعليمية متنوعة، وإنشاء مدارس وبرامج مميزة، وتطوير مساحات تعليم حديثة، وتوسيع حرية الاختيار بين المدارس والتخصصات. كما تمول برامج للمتفوقين، وساعات تعليم إضافية، والتحضير لامتحانات البجروت، وبرامج تهدف إلى إعداد الطلاب للدراسة الأكاديمية وسوق العمل.
ونقلت الدراسة عن مديرة قسم تربية في سلطة مقتدرة قولها إن وزارة التربية لا تمول فتح تخصص في مدرسة ثانوية إذا كان عدد الطلاب المسجلين فيه أقل من 15 طالباً، إلا أن سلطتها مستعدة لتمويل التخصص حتى إذا اختاره ثمانية طلاب فقط، بهدف منحهم خيارات تعليمية إضافية.
وقالت مديرة أخرى إن سلطتها تخصص موارد إضافية للمدارس الموجودة في الأحياء الأضعف، وتساعدها على فتح تخصصات في الموسيقى والفنون، بهدف جذب طلاب من مختلف أنحاء المدينة. وتستثمر سلطات مقتدرة أيضاً في تعزيز نتائج البجروت، من خلال منح المدارس الثانوية ساعات تدريس إضافية للمحافظة على معدل علاماتها.
اولويات السلطات الضعيفة
في المقابل، تتعامل السلطات الضعيفة مع أولويات مختلفة. ووفق شهادات مديري أقسام التربية التي أوردتها الدراسة، تبدأ هذه السلطات بصيانة أسقف المدارس ومنع تسرب المياه، ثم توفير الطعام للطلاب، ومساعدة الأطفال الذين يواجهون صعوبات نفسية، ودعم الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة. وبعد تغطية هذه الاحتياجات، لا تتبقى لديها أموال كافية لتمويل البرامج التعليمية والتخصصات الإضافية.
وقال مدير قسم تربية في سلطة ضعيفة إن سلطته تستخدم مواردها لتوفير علاج مهني عندما تضم المدرسة أطفالاً يعانون مشكلات عاطفية. وأوضح مدير آخر أن السلطة تمول الدروس الخصوصية للطلاب الذين لا تستطيع أسرهم دفع تكلفتها، وقد تضطر إلى تغطية المصروف كاملاً عندما يعجز الأهل عن دفع حتى 20 في المئة منه.
وتعني هذه الفجوات أن مكان سكن الطالب والقدرة الاقتصادية لسلطته المحلية يؤثران في نوعية الفرص التعليمية المتاحة له. فالطالب في سلطة مقتدرة يمكن أن يحصل على تخصصات وبرامج إثراء وساعات تعليم إضافية، بينما قد تقتصر موارد الطالب في سلطة ضعيفة على تلبية الاحتياجات الضرورية وضمان استمرار الدراسة.
ويكتسب هذا الواقع أهمية خاصة عند بحث وضع التعليم العربي، نظراً إلى محدودية الموارد الذاتية في عدد من السلطات المحلية العربية وما يترتب عليها من صعوبة في إضافة ميزانيات كبيرة إلى مخصصات الدولة. غير أن المادة المنشورة عن الدراسة لم تتضمن أرقاماً خاصة بالسلطات العربية، ولم تعرض مقارنة بين متوسط إنفاق السلطات العربية واليهودية، أو بيانات عن حجم الفجوة داخل جهاز التعليم العربي.
ولذلك، لا تتيح نتائج الدراسة المنشورة تحديد حجم الضرر الواقع على الطلاب العرب بالأرقام، أو معرفة أي السلطات العربية تستثمر أكثر أو أقل في التعليم. لكنها توضح الآلية العامة التي تجعل قدرة السلطة المحلية على جمع الموارد وإنفاقها عاملاً مؤثراً في الفرص التعليمية المتاحة للطلاب، إلى جانب الميزانية الحكومية.
ليس الوضع الإقتصادي فقط
ولم تحصر الباحثتان أسباب التفاوت في الوضع الاقتصادي فقط. فقد وجدتا فروقاً كبيرة في الإنفاق الإضافي على التعليم بين سلطات تنتمي إلى التصنيف الاجتماعي والاقتصادي نفسه. وربطتا ذلك باختلاف الأولويات المحلية، ومستوى الإدارة، والقرارات المتعلقة بتوزيع الموارد، والتباين بين القيم التي توجه عمل كل سلطة.
وقالت بن دافيد هدار إن مشكلات جهاز التعليم لا يمكن حلها من خلال نقل مزيد من القوة والموارد إلى السلطات المحلية، لأن هذا التوجه يمنح السلطات القوية قدرة أكبر على تطوير التعليم، في حين تظل السلطات الضعيفة عاجزة عن توفير الموارد نفسها.
واقترحت تغيير آلية التمويل الحكومية، بحيث تمنح وزناً أكبر للوضع الاقتصادي للسلطة المحلية وقدرتها على إضافة أموال من ميزانيتها. وترى الباحثة أن الدولة مطالبة بتعويض السلطات التي لا تملك مصادر كافية لتمويل التعليم، بدلاً من الاكتفاء بمنح المدارس والسلطات الضعيفة إضافات محدودة إلى ميزانية أساسية موحدة.
كما دعت إلى تقييد قدرة السلطات الغنية على إضافة مبالغ غير محدودة إلى ميزانيات التعليم، معتبرة أن السماح لسلطة محلية بإنفاق ضعفي الميزانية الحكومية أو ثلاثة أضعافها يؤدي عملياً إلى إنشاء نظامين تعليميين مختلفين داخل الدولة.
وقالت رئيسة كلية بيت بيرل ووزيرة التربية السابقة، البروفيسورة يولي تمير، إن جهاز التعليم يتخلى عن الأطفال في السلطات الضعيفة، وإن هؤلاء لا يملكون فرصة حقيقية لمنافسة الطلاب في السلطات القادرة على شراء تعليم أفضل. وأضافت أن الحديث عن التضامن لا يمكن فصله عن التضامن التعليمي، وطالبت الدولة بتحمل مسؤوليتها عن معالجة الفجوات.
وخلصت الباحثتان إلى أن انعدام المساواة في التعليم لا ينتج عن الجغرافيا أو الوضع الاقتصادي وحدهما، بل يعكس أيضاً قرارات وسياسات تتخذ على المستويين المحلي والمركزي. وحذرتا من استمرار اتساع الفجوات ما دامت السلطات القوية قادرة على توسيع استثماراتها، بينما تنشغل السلطات الضعيفة بتوفير الاحتياجات الأساسية للطلاب والمدارس.
[email protected]
أضف تعليق