قال بروفيسور إياد خمايسي، مدير وحدة التنظير المتقدم في مستشفى رامبام، إن الابتكار الطبي الجديد الذي طوره مع شركة Limaca Medical التي اسسمها بنفسه، جاء من حاجة طبية حقيقية واجهها الأطباء لسنوات في تشخيص أورام البنكرياس، موضحًا أن المشكلة لم تكن في الوصول إلى الورم فقط، بل في جودة العينة التي يحصل عليها الطبيب خلال الخزعة.
وأوضح خمايسي لـ"بكرا" أن تشخيص سرطان البنكرياس يعتمد في كثير من الحالات على خزعة موجهة بالأمواج فوق الصوتية عبر التنظير، لكن الأدوات التقليدية كانت تعطي أحيانًا عينات مجزأة، مختلطة بالدم، أو غير كافية للفحص النسيجي الدقيق. وأضاف أن هذه المشكلة قد تؤدي في نحو 20% من الحالات إلى عدم القدرة على الوصول إلى تشخيص حاسم، ما يضطر المريض إلى العودة لإجراء خزعة ثانية تحت التخدير، مع ما يحمله ذلك من تأخير، توتر، كلفة ومخاطر إضافية.
وقال خمايسي إن الفكرة الأولى جاءت من مشهد يومي بسيط أثناء تحضير الكوسا للحشو. وأضاف: "عندما رأيت طريقة تفريغ الكوسا، فكرت بإمكانية تطوير أداة خزعة لا تدخل النسيج فقط بشكل مستقيم، بل تعمل بحركة دورانية دقيقة، فتستخرج عينة نسيجية متماسكة تشبه اللب الكامل، بدل الحصول على أجزاء صغيرة وممزقة".
تأسيس الشركة نوح ابتكارات
وأشار إلى أن هذه الفكرة تحولت لاحقًا إلى مشروع طبي متكامل، بعد لقاء بين مستشفى رامبام ومجموعة Trendlines المتخصصة في تطوير الابتكارات الطبية. وفي عام 2017 أسس شركة Limaca Medical داخل حاضنة الأجهزة الطبية التابعة للمجموعة في شمال البلاد، بدعم مهم من سلطة الابتكار الإسرائيلية، وتولى أساف كلاين، صاحب الخبرة في مجال الأجهزة الطبية، إدارة الشركة منذ تأسيسها.
وأوضح خمايسي أن الجهاز الجديد، المعروف باسم Precision-GI™، يمثل جيلًا جديدًا من أدوات الخزعة الموجهة بالتنظير، لأنه لا يعتمد فقط على الحركة اليدوية للطبيب، بل يعمل بمحرك دقيق يساعد في قص النسيج بطريقة دورانية ومنتظمة. ووفق خمايسي، فإن هذا يقلل من التفاوت بين طبيب وآخر، ويرفع احتمال الحصول على عينة جيدة من المحاولة الأولى.
نوعية العينة ايضًا
وأضاف أن أهمية الجهاز لا تقتصر على تسهيل الإجراء على الطبيب، بل تمتد إلى نوعية العينة نفسها. فالعينة المتماسكة عالية الجودة تتيح للطبيب الشرعي والمختبر إجراء تحليل أدق، وتسمح أيضًا باستخدام تقنيات تشخيص متقدمة مثل الفحوصات الجزيئية والتوصيف الوراثي للورم، وهي أدوات باتت مركزية في اختيار العلاج الأنسب لمرضى السرطان.
وقال خمايسي إن الدقة في تشخيص سرطان البنكرياس تحمل أهمية خاصة، لأن المرض شديد الخطورة، وأي تأخير في التشخيص قد يؤثر على بدء العلاج وعلى فرص المريض. وأضاف: "الهدف من الخزعة ليس مجرد أخذ عينة، بل الوصول إلى تشخيص واضح وسريع يمكن أن يبنى عليه القرار العلاجي. عندما ننجح في تقليل الحاجة إلى إعادة الخزعة، فإننا نختصر وقتًا ثمينًا للمريض والطبيب".
وأشار إلى أن الجيل الأول من الجهاز طُوّر عام 2018، فيما أُجريت أول تجربة على الإنسان في مستشفى رامبام في حيفا عام 2019. ثم طوّرت الشركة الجيل الثاني من الجهاز بين عامي 2021 و2022، قبل أن يحصل في عام 2023 على تصنيف "جهاز اختراقي" من إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA، ثم على موافقة تجارية لاستخدامه في السوق الأميركية.
نتائج مشجعة
وبحسب خمايسي، أظهرت التجارب السريرية نتائج مشجعة عند مقارنة الجهاز بالإبر اليدوية التقليدية المستخدمة في الخزعات، حيث حقق الجهاز قدرة أفضل على الحصول على عينة مناسبة، ورفع نجاعة الإجراء، كما أظهر جودة نسيجية أعلى في العينات المفحوصة. وحتى اليوم، استُخدم الجهاز في أكثر من 300 إجراء خزعة موجهة بالتنظير في مراكز طبية رائدة في الولايات المتحدة.
وتطرق خمايسي إلى ردود الفعل من أطباء التنظير في الخارج، مشيرًا إلى أن أطباء بارزين في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية عبّروا عن حماسهم للجهاز بعد استخدامه. ومن بين هؤلاء د. كارلوس روبليس ميدرندا، رئيس خدمات التنظير في معهد IECED الطبي، الذي شارك في التجربة السريرية، وأشاد بسهولة الإجراء وجودة العينة بعد تمريرة واحدة فقط، مؤكدًا أن العينة لا تكون مجزأة أو مليئة بالدم كما يحدث أحيانًا في الأدوات التقليدية.
كما أشار خمايسي إلى تقييم د. محمد العويدي، مدير التنظير ورئيس جمعية ألاباما لأمراض الجهاز الهضمي، الذي رأى أن الجهاز بسيط وسهل الاستخدام، ويساهم في توحيد عملية أخذ الخزعة وتقليل الفوارق الناتجة عن خبرة الطبيب أو أسلوبه.
وأوضح خمايسي أن الجهاز دخل السوق الأميركية بعد حصوله في آب 2023 على موافقة FDA 510(k)، ولاحقًا على رمز تعويض خاص من مراكز خدمات Medicare وMedicaid الأميركية، ما يسمح للمستشفيات بالحصول على تعويض مالي عن كلفة الجهاز عند استخدامه في خزعات مرضى Medicare. واعتبر أن هذه الخطوة مهمة جدًا، لأنها لا تفتح الباب أمام الاستخدام الطبي فقط، بل تساعد المستشفيات على تبني التقنية دون عبء مالي كبير.
تسويق الجهاز
وأضاف أن الشركة بدأت بتسويق الجهاز في الولايات المتحدة، ووقعت اتفاقًا تجاريًا مع لاعب استراتيجي بارز في المجال، فيما يجري إدخاله تدريجيًا إلى مراكز طبية أميركية. ووفق المعطيات التي وصلت إلى الشركة، فإن الطلب خلال مرحلة الإطلاق تجاوز توقعات الشريك التجاري، بسبب الحماس الكبير لدى الأطباء الذين يجرون خزعات تنظيرية.
وقال خمايسي إن التوسع لا يتوقف عند السوق الأميركية، إذ يجري العمل على إدخال الجهاز إلى اليابان، وهي من الأسواق الطبية المهمة جدًا. وأضاف أن لدى الشركة شريكًا يابانيًا يعمل على إجراءات التسجيل، ومن المتوقع استكمال العملية حتى نهاية العام، على أن يبدأ التسويق التجاري في اليابان في مطلع العام المقبل.
وتابع أن عام 2027 سيكون عامًا مهمًا للشركة، مع خطط لتوسيع القدرة الإنتاجية، زيادة المبيعات في السوق الأميركية، توسيع النشاط عالميًا، وإضافة مؤشرات طبية جديدة تعتمد على المنصة التكنولوجية نفسها.
وأشار خمايسي إلى أن Limaca Medical تطورت خلال أقل من عشر سنوات من فكرة طبية خرجت من حاجة يومية داخل غرفة العلاج إلى شركة تصنيع ذات حضور دولي، تضم اليوم قدرات داخلية في الهندسة، التسويق، الإدارة المالية، التصنيع والمبيعات. وأضاف أن الشركة تستعد لإطلاق جولة تمويل من نوع Series A بهدف زيادة الإنتاج، دخول أسواق جديدة، وتطوير تطبيقات طبية إضافية.
نحو سرطان الرئة
وكشف أن إحدى الخطوات المستقبلية المهمة هي استخدام المنصة نفسها لتطوير أداة مشابهة لخزعات سرطان الرئة، نظرًا لأن سرطان الرئة هو أكثر أنواع السرطان شيوعًا بحسب منظمة الصحة العالمية، مع تسجيل نحو 2.5 مليون حالة جديدة سنويًا حول العالم. وقال إن الحاجة إلى جهاز خزعة تنظيري أكثر دقة في هذا المجال كبيرة جدًا، وقد يشكل ذلك الامتداد الطبيعي للتقنية التي بدأت من تشخيص أورام البنكرياس وأمراض الجهاز الهضمي.
وختم خمايسي حديثه لـ"بكرا" بالقول إن هذا الابتكار يثبت أن الأفكار الطبية الكبيرة قد تولد من أبسط التفاصيل اليومية، عندما يلتقي التفكير السريري بحاجة المريض. وأضاف أن القيمة الحقيقية للجهاز تكمن في تحسين دقة التشخيص، تقليل الإجراءات المتكررة، وتسريع الطريق نحو العلاج، وهي أهداف أساسية في الطب الدقيق ورعاية مرضى السرطان.
[email protected]
أضف تعليق