أمير مخول
لا بد من أن يُكتب الكثير حول انطلاقة سخنين، فهي أتت من حيث لم يتوقع أحد، بل من القهر، وفي الوقت نفسه من الإصرار على عدم التسليم بالقهر، بل تحويله إلى فعل معاكس لا حدود له. لقد تحرك المستوى المحلي بشكل شخصي، ومنه انطلقت كل الأمور فينا. لا يبدو الأمر حدثًا لحظيًا، بل نقطة تحوّل.
قد تكون هبّة سخنين وتحرك الأخ علي زبيدات، الذي دفع عجلة الجماهير بالإعلان عن الاعتصام وإغلاق محله التجارية، الحدث الأبرز منذ تشرين الأول 2023 وبدء الحرب على غزة، والذي شعرت الناس فيه بالأمل. وليس من المنصف القول إنه لم تُبذل جهود من قبل، على مستويات مختلفة: قطرية، محلية، حراكات شعبية، حزبية، لجنة متابعة، ولجنة رؤساء. وفي الغالب نجحت هذه الجهود في تحريك ما نطلق عليه "المسيّسين" وإبقاء الجذوة مشتعلة حتى تتيح الفرصة. كما بذلت النخب السياسية والأكاديمية والمثقفة جهودًا كبيرة ومتواصلة في السعي لإحداث انطلاقة مؤثرة تقودها الأطر الجامعة السياسية الوطنية. إلا أن حركة الناس الحالية هي أحد أهم الدروس لكل هؤلاء؛ فهي لم تنتظر التنظير والتوصيفات، بل كانت الملهمة لكل ذلك.
في مواجهة منظومة الجريمة، التي تطال كل الناس شعوريًا وواقعًا، حيث يشعر الجميع بالخطر الحياتي والوجودي—رجلًا كان أم امرأة، مسنًا أو طفلًا—لم يعد البيت موقع أمان، ولا المكتب أو مكان العمل، ولا النهار ولا الليل، ولا كاميرات التعقب. وباتت الشرطة الإسرائيلية تهديدًا أكثر من كونها مسؤولة عن الأمان، ووصلت الجريمة إلى كل مصلحة لتنال حصتها بالترهيب.
في سخنين، يجري حدث مفصلي
في سخنين، يجري حدث مفصلي قد يشكل، في حال استدام—ويبدو الأمر كذلك—مأثرة تدخل في عداد الأيام المجيدة مثل مظاهرة الأول من أيار في الناصرة 1958، أو يوم الأرض 1976، أو هبّة القدس والأقصى عام 2000، أو هبّة التصدي لقانون برافر 2012/2013، أو هبّة الكرامة 2021. يكشف الحراك الحالي أن حكمة الجماهير هي سيدة الموقف، وفي الدفاع عن الحياة والبقاء والوجود المهددين بشكل فوري ومباشر، فإن هذه المهام تصبح ملك الجميع وملك الناس، وليس من الأهمية في مثل هذه اللحظة أي انتماءات أخرى سياسية أو اجتماعية أو طبيقية أو تياراتية. الناس تفكر في أول حق إنساني أساسي في التاريخ، ألا وهو الحق بالحياة، المهددة بالجريمة المضاعفة ومنظومتها ومنظومة القهر الرسمية. ويؤكد لسان حال الناس أن الانطلاقة هي دفاع عن الحاضر والمستقبل، وحصريًا مستقبل أبنائهم وبناتهم وأحفادهم، ومستقبل حلم جيل الشباب.
بطبيعة الحال، فإن الطبقات الوسطى وأصحاب المصالح والشرائح الميسورة هم أول ضحايا الجريمة المنظمة. فهم هدف الابتزاز المالي، والخاوة، وبسط "الحماية" القاتلة. وإذ انطلقت الحركة من صاحب عدد من المحال والمصالح وهو ابن سخنين، علي زبيدات وأبناؤه، فإن العفوية التي جاء بها الحراك هي ما لامس قلوب الناس ووعيها وشعورها الفطري معًا. هذه الحركة العفوية التي انطلقت واتسعت كالثورة هي الأساس للانطلاقة الشعبية. لقد كشفت بسرعة وبوضوح عن مواطن قوة المجتمع، وبدلاً من انتظار قوالب ووصفات تنتجها اجتهادات النخب، فقد تحولت بقوة ذاتها إلى ما يشبه درجة متقدمة من العصيان الشعبي. حين نتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أن الناس لا يتضامنون مع سخنين فقط، بل ينضمون إليها في كل بلدة دون استثناء.
المطلوب من الحركة السياسية والهيئات الوطنية ليس صياغة "تأطير" هذا الحراك الشعبي المدني، لأن قوته في عفويته وحركة الناس التي تدرك اليوم قوتها أكثر من أي يوم مضى في العقود الأخيرة. دور القوى السياسية والقيادية هو الالتحام بالحراك الشعبي بشرط إبقائه شعبيًا، لأن التأطير قد يقتل قوة العفوية. فيما دور القوى السياسية والقيادية والبلدية هو أيضًا التحرك واستغلال اللحظة لحماية الحراك الشعبي من أي استهداف سلطوي. ودور النخب هو أن تتعلم بدورها من حركة الناس وحراكها، وربما تعيد النظر في الدور المنشود لها أو الذي تريد أن تلعبه. هذا لا يقلل من شأنها، لكن الأولوية للناس، والسؤال هو: كيف تلائم الحركة السياسية والأطر القيادية دورها لهذه الحركة العفوية التي تؤكد عنوان قوة المجتمع وإرادته بالتحرر من الإحباط أمام إرهاب الجريمة وسياسات تفكيك المجتمع ووجوده.
دروس الحراك العفوي الحالي
من دروس الحراك العفوي الحالي أنه في مواجهة منظومة الجريمة ووظيفتها السلطوية في تفكيك المجتمع وانتمائه، فإن التحرك الشعبي الحالي يستهدف تفكيكًا عكسيًا لمنظومة الجريمة، وليعلمنا أن التفكيك يبدأ من أية حلقة في هذه المنظومة تجد النس بمقدورها أن تكسرها، وتجد الإرادة للقيام بذلك. وحين تكون الإرادة الشعبية أولًا، ومن الضحايا المباشرين، فإن هذا الحراك يصنع اليوم ويجعل الغد أفضل ممكنًا.
الحراك الحالي المتعاظم بتسارع غير مسبوق يوفر فرصة ثمينة قد لا تتكرر أمام لجنة المتابعة، والحركة السياسية، والمؤسسات الأهلية، والنخب المختلفة، لإعطاء الأولوية لتطوير أدائها اعتمادًا على مَواطن القوة في مجتمعنا العربي الفلسطيني، وهي كثيرة، وللاستفادة من العمل العفوي ضمن عمل منظم، ولتوفير مساحات أكبر له.
[email protected]
أضف تعليق