دعا أمير الجماعة الإسلامية الأحمدية، محمد شريف عودة، أبناء المجتمع العربي إلى المشاركة في انتخابات الكنيست والإدلاء بأصواتهم، مؤكدًا أن التصويت أمانة ومسؤولية أخلاقية ودينية ووطنية، وأن المشاركة في العملية الانتخابية تشكل وسيلة للتعبير عن المواقف والسعي إلى إحداث التغيير.

وقال عودة في رسالته: «الصوت أمانة وليس ملكًا خاصًا، وعليك أن تؤدي الأمانة إلى أهلها، والله رقيب على عملك»، مشددًا على أهمية الوقوف إلى جانب المظلومين، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأبناء الشعب الفلسطيني، وداعيًا إلى تحمّل المسؤولية وعدم التقاعس عن المشاركة.

وأضاف أن العالم يتابع وعي المجتمع العربي ومدى مشاركته، مشيرًا إلى أن العرب والفلسطينيين ينتظرون تغييرًا يمكن للناخبين المساهمة في تحقيقه. واعتبر أن المسؤولية لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد إلى الأجيال المقبلة، قائلًا: «هذه مسؤوليتكم أمام الله عز وجل، وأمام أمتكم، وأمام التاريخ، وأمام أولادكم، وأمام أحفادكم».

واختتم عودة رسالته بالدعوة إلى توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات، معتبرًا أن المشاركة والالتفاف حول القضايا المشتركة يمكن أن يسهما في مواجهة الظلم والإجحاف وتعزيز مكانة المجتمع العربي وحضوره وتأثيره.

المشاركة السياسية في ميزان مقاصد الشريعة وحُكم الانتخابات والتصويت الحزبي تأصيلاً وتنزيلاً

الحمد لله الذي جعل أمر المسلمين شورى بينهم، ونهى عن الفرقة والتنازع، ودَرَءَ المفاسد بما تحُقّقه مقاصد الشريعة من يُسر وتيسير وتغيير المنكر أمراً بالمعروف بوسائل وضوابط تحقّقُه ووسائل شريفة تجُسّده والصّلاة والسّلام على سيدنا محمد النبي الأمين المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد


فإن مسألة الانتخابات والتصويت للأحزاب من نوازل هذا العصر المستجدّة والتي كَثُرَ فيها الجدل، وتجاذبها الإفراط والتّفريط. فَمِنْ قائلٍ بتحريمها بإطلاق، ومِن قائلٍ بوجوبها بإطلاق من غير قيد وضابط..
والحق أنّ المتأمل في التشريع الإسلامي الوارد في القرآن المجيد يجد أنه لم يتعرّض للتفصيلات الجزئية في أداة الحكم والتي قد تختلف باختلاف وتنوع المجتمعات وثقافتها وأعرافها وإنما وضع قواعد ومبادئ أصولية كلية قلّما تختلف عليها الأمم والشعوب باعتبارها أُسُساً تحقّق إرادة الأمة والشّعب في تحقيق مصالحه العامة وسياسة شؤون دنياه، ولهذا كان من حكمة الله تعالى أن شرع الأحكام الأساسية ذات الدلالة الحيوية كمبادئ عامة وترك تفصيلاتها لاجتهاد المجتهدين في كل عصر ليأخذوا بأحسنها، ومن جملة هذه المبادئ:


أمانة التصويت واختيار الأهلية القائمة على الكفاءة والاستقامة والعدالة:
قال تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ یَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰۤ أَهلِهَا وَإِذَا حَكَمتُم بَینَ ٱلنَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِٱلعَدلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَا بَصِیرا}النساء:59
ومن لوازم هذا التوجيه إقرار مبدأ التصويت على أسس الأمانة والاستقامة، مع وعي تام بالرقابة الإلهية، وأن يدرك المقترع مسؤوليته عن قراره أمام الله I، ومنح الصوت الانتخابي لمن هو أقدر على الوفاء بأمانته1. وعلى هذا كان الأمر الإلهي في الآية الكريمة في حُكم الوجوب ما يجعل مبدأ الانتخاب والتصويت واجبا في أصله.


التصويت والانتخاب عملية اختيار للأصلح وشهادة بالقسط:
قال تعالى:
{یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّا⁠مِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلقِسطِ وَلَا یَجرِمَنَّكُم شَنَـَانُ قَومٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعدِلُوا ٱعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُ بِمَا تَعمَلُونَ} المائدة: 9
فالانتخاب في حقيقته الشرعية ليس تشريعا مخالفا لحكم الله وحاكميته بل هو وكالة وشهادة لفاضل ومفضول لحفظ الحقوق ودفع المظالم وتصحيح الانحرافات نحو الأفضل.

المشاركة الحزبية بمثابة حلف فضول جديد:
لا يمنع الإسلام في مقاصده الكلية من التعاون على البرّ والتقوى ونُشدان تفعيل القيم المشتركة والهادفة وتنميتها خدمة للصالح العام، فقد نصّ القرآن الكريم على مبدأ التعاون مع فئام النّاس وجماعاتهم على الخير والبرّ حيث قال تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوَ انِ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلعِقَابِ} المائدة:3


والحزب لغة يرادف جماعة النّاس وفق قواميس اللغة ولسان العرب وقيل في تعريفه كل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وقيل تحزّب القوم إذا تجمّعوا. والحزب: الجماعة2.كما استُعمل في القرآن الكريم على هذا المعنى 3 . وفي لغة عصرنا فهو حلفٌ وائتلاف جماعة من النّاس على برنامج ورؤية سياسية عامة للإصلاح مِنْ خلال خَلْقِ أداةِ الحُكم والمشاركة في صُنع القرار .فقد شارك النبي r قبل بعثته بني هاشم في حلف الفضول4 وانضوى فيه وجسّد مبادئه عمليا في استرجاع الحقوق وردِّ المظالم، ونهض رجالٌ من أولي الخير فيه وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة ونُصرة المضلوم حتى أنّ الرسول الكريم r قال عنه بعد مبعثه { لو دُعيتُ إليه لأجبتُ}5، وهذا أصلٌ شرعي في جواز الانخراط في أيّ حِلْفٍ يحقّقُ العدل ويردُّ المظالم، فكيف لا يجوز الانخراط في الأحزاب ما دامت برامجها لا تأمُرُ بمنكر أومحرّم بل تشترك على قيم العدل والسلام والمساواة ؟! وكيف لا يجوز للمسلم أن يتعاقد وينخرط في حزب وحلف كعَقد حِلف الفضول وفق شاهد السيرة النبوية وأسوة الرسول الكريم .


إنّ دعاة مقاطعة المشاركة الانتخابية قد يصل موقفهم إلى الإثم مع القدرة على تغيير المنكر ودفع الظلم، لأنّ في هذا العزوف والامتناع تركٌ للمجال لمن لا خَلاقَ لهم من الأحزاب والتيارات التي تنضوي تحت عصبية قومية أو دينية عنصرية لإملاء إرادتها على حساب العدالة والمساواة بين مكونات الشعب.

هل الحزبية مذمومة أم محمودة ..مناقشة شبهات المانعين؟
يستدلّ المانعون بقوله تعالى { كلُّ حزبٍِ بما لَدَيهِم فَرِحُونَ} الروم:33، مع أنّ الآية في معرض ذمَ التحزّب المذموم القائم على الباطل والتفرّق في الدّين لا على مُطلق التجمّع المنظّم لتحقيق مصلحة الأمة ولو كان قول المانعين صحيحا فإن القرآن نفسه سمى جماعة المؤمنين حزبا فقال: { أولئك حزب الله} المجادلة:33..
الحق أنّ المشاركة في التصويت الديمقراطي والانتماء للأحزاب عبارة عن آلية ووسيلة للتعاون على البرّ والتقوى، والحزب بطبيعته كتنظيم ليس محرّماً لذاته ما كانت مبادئه وبرامجه لا تأمُر بمنكر، والعملية الانتخابية وسيلة وأداة لتحقيق المصالح العامة التي لا مندوحة من تحقيقها إلا بطرق شرعية تعاقد عليها المجتمع في الوصول لأداة الحكم ،من خلال المجالس النيابية بالأغلبية ومن خلال صناديق الاقتراع، والقاعدة الأصولية المقررة لدى علماء الأصول والشريعة سلفا وخلفا أن للوسائل أحكام المقاصد. فوسيلة الواجب واجبة، ووسيلة الحرام محرمة6.

ما الضوابط الأخلاقية للمشاركة الحزبية في ضوء تعاليم الإسلام؟
إذا كانت الحزبية على هذا الوصف المباح كأداة فإنّ الإسلام يضع لها ضوابط أخلاقية، فلا مجال لاستعمال المناورات السياسية والخداع والكذب والتضليل، كما لا يجوز تغليب الولاء الحزبي على المبادئ الأخلاقية، وإذا ما ثبت لدى المسلم المنخرط أو العضو أن حزبه ينهج ما يخالف تعاليمه الدينية فالواجب أن يعتزل هذا الحزب وأن لا يعطي صوته لمرشّحٍ لا يستحقُّ الثِّقةَ والأمانة7.
وعليه فإذا كان دفعُ الظُّلم وتقليل الفساد واجبا شرعياً، ولا يتمُّ إلا بالمشاركة في العملية الانتخابية والتّصويت للأصلح، صارت المشاركة واجبة، لأنها وسيلة الواجب.

1- الإسلام والتحديات المعاصرة، ميرزا طاهر أحمد رحمه الله
2- لسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ومقاييس اللغة لابن فارس
3- سورة الروم:33 ، المؤمنون:54، المجادلة: 23، الكهف:13
4- السيرة النبوية لابن هشام ج1 حلف الفضول
5- رواه أحمد في المسند والبيهقي في السنن الكبرى
6- شرح تنقيح الفصول للقرافي، وابن تيمية في مجموع الفتاوى: الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد أرذل الوسائل. والإمام الشاطبي في الموافقات بقوله: الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، فوسيلة الواجب واجبة.
7- الإسلام والتحديات المعاصرة (المرجع السابق)

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]