عرض فرقة «سلمى» يستعيد الحكاية المعروفة في صياغة مسرحية راقصة تجمع التمثيل والموسيقى والرقص والفرجة البصرية، وتؤكد أن مسرح الطفل يمكن أن يكون مساحة فنية وتربوية في آن
في الرملة، لم تكن «ثلجية» مجرد حكاية تُروى على خشبة المسرح، بل عالمًا كاملًا تشكّل أمام الجمهور بالحركة والضوء والموسيقى والتمثيل. وفي قصر الثقافة بالرملة، حيث اجتمع مئات المشاهدين، بدا العرض كأنه يفتح بابًا إلى حكاية يعرفها كثيرون، لكنه يعيد تقديمها بلغة مسرحية معاصرة، تستفيد من الذاكرة الشعبية للحكاية، وتمنحها في الوقت نفسه روحًا جديدة.
العرض، الذي قدمته فرقة «سلمى»، لم يعتمد على عنصر واحد لصناعة فرجته؛ قوته جاءت من تآلف عناصر متعددة: التمثيل، الرقص، الموسيقى، الأزياء، الإضاءة والديكور، إلى جانب رؤية إخراجية تعرف كيف تحافظ على وضوح الحكاية من دون أن تفقدها بعدها البصري والاستعراضي.
خشبة تتحول إلى عالم
منذ اللحظات الأولى، كان واضحًا أن الديكور ليس خلفية صامتة للأحداث، بل جزء من عملية السرد نفسها. فالخشبة تتبدل مع تبدل الحالة، وتنتقل من فضاء إلى آخر بطريقة تمنح الحكاية إيقاعها وتساعد المتلقي، ولا سيما الطفل، على متابعة التحولات الدرامية بسهولة.
الاشتغال على المشهد البصري جاء منسجمًا مع طبيعة العمل؛ فالأزياء، والإضاءة، وتكوينات الراقصين، وحركة الشخصيات داخل الفضاء المسرحي، صنعت مجتمعة صورة متحركة لا تتوقف عند حدود الزينة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية السينوغرافيا في «ثلجية»: أن تكون جزءًا من الحكاية، لا مجرد إطار لها.
الملكة… حين يصبح الجمال هاجسًا
تحتل شخصية الملكة موقعًا محوريًا في الصراع، ليس فقط بوصفها الشخصية المضادة في الحكاية، وإنما باعتبارها تجسيدًا لهوس السلطة والجمال والخوف من فقدان المكانة.
واللافت في بناء الشخصية أن حضورها لم يكن منفصلًا عن الجو البصري العام للعمل؛ فالملكة تظهر ضمن عالم مسرحي يتكامل فيه الأداء مع الحركة والملابس والإضاءة، بما يعزز حضورها ويجعلها واحدة من العلامات البصرية الواضحة في العرض.
أما المرآة، التي ترتبط بالحكاية في ذاكرتنا الجمعية، فتظل هنا أكثر من أداة سردية؛ إنها رمز للرغبة في معرفة الذات، وللخوف من أن يأتي يوم لا يعود فيه انعكاسها مطابقًا للصورة التي تريدها الشخصية عن نفسها.
وهذا ما يمنح الحكاية القديمة مساحة لقراءة جديدة، حتى وإن ظلت محافظة على خطوطها الأساسية.
حين يصبح الرقص كلامًا
الرقص في «ثلجية» لم يكن فاصلًا استعراضيًا بين مشهد وآخر، بل كان جزءًا من اللغة المسرحية.
التكوينات الجماعية، الانتقالات، الإيقاع، وتوزيع الأجساد في الفضاء، كلها أسهمت في دفع الحكاية إلى الأمام. وفي بعض اللحظات، قالت الحركة ما لم تحتج الشخصيات إلى قوله بالكلمات.
وهنا يظهر العمل الحقيقي وراء المشهد: تدريب طويل، انضباط جماعي، ووعي بتفاصيل الحركة، لأن الرقص المسرحي، بخلاف الرقص المنفصل عن الدراما، يحتاج إلى أن يخدم الشخصية والحكاية والإيقاع في الوقت نفسه.
فريال خشيبون… من الحركة إلى صناعة التجربة
يصعب الحديث عن «ثلجية» من دون التوقف عند فريال خشيبون، التي تقف خلف جانب أساسي من البناء الفني للعمل، خصوصًا في تصميم الحركة والتدريب والعمل المرتبط بالفرجة الراقصة.
لكن أهمية فريال لا تتوقف عند حدود تصميم الكوريغرافيا. تجربتها الممتدة مع المسرح والفنون الاستعراضية جعلت من العمل مساحة للتدريب والتربية الفنية بقدر ما هو مساحة للعرض.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها: حين يعمل الأطفال والشباب على المسرح، فإنهم لا يتعلمون فقط كيف يؤدون حركة أو يحفظون مشهدًا؛ إنهم يتعلمون الالتزام، والعمل الجماعي، والإصغاء، والثقة بالنفس، واحترام الخشبة.
من هنا، تبدو تجربة «سلمى» أقرب إلى مشروع فني وتربوي متكامل، وليس مجرد إنتاج مسرحي عابر.
وفريال خشيبون، في هذا السياق، لا تقدم عرضًا فحسب؛ إنها تساهم في صناعة بيئة يتعلم فيها جيل جديد أن المسرح يمكن أن يكون مدرسة أيضًا.
ميساء خشيبون… المربية التي امتلكت دفء الشخصية
ومن بين الشخصيات التي تركت أثرًا واضحًا في العرض، جاءت شخصية المربية التي أدتها ميساء خشيبون بحضور لافت.
ميساء أبدعت في هذه الشخصية، لأنها لم تتعامل معها بوصفها وظيفة درامية تؤدي دورًا محددًا في سير الأحداث، بل منحتها شخصية ودفئًا وملامح إنسانية.
كان في أدائها توازن بين التمثيل والحركة، وبين الحضور العاطفي والجانب الاستعراضي. ولم تكن المربية مجرد شخصية تساعد في تحريك الحكاية، بل بدت في لحظات كثيرة كأنها مساحة أمان داخل عالم تتصاعد فيه الصراعات.
وهذا النوع من الأدوار يحتاج إلى ممثلة تعرف كيف تكون حاضرة من دون أن تبتلع المشهد، وكيف تمنح الشخصية روحًا خاصة من دون أن تخرج عن إيقاع العرض. وهو ما نجحت ميساء خشيبون في تحقيقه.
إخراج يجمع الخيوط
في «ثلجية»، تبدو مهمة المخرج نورمان عيسى واضحة في قدرته على جمع عناصر متعددة داخل نسيج واحد.
فالعرض يحمل طبيعة استعراضية، لكنه لا يترك الحكاية خلفه. وفي المقابل، لا يسمح للدراما بأن تطغى على الموسيقى والرقص والفرجة البصرية.
هذه الموازنة ليست سهلة، خصوصًا في الأعمال الموجهة إلى جمهور عائلي متعدد الأعمار. فالطفل يبحث عن الحركة والصورة والدهشة، فيما يستطيع المشاهد الأكبر سنًا أن يلتقط طبقات أخرى من الحكاية ورسائلها.
الموسيقى… إيقاع يحرك الحكاية
الموسيقى، بإشراف كارم مطر، جاءت بوصفها عنصرًا دراميًا لا مجرد خلفية صوتية.
فهي تمنح المشاهد إيقاعه، وتساعد على الانتقال بين الحالات، وتدعم الحركة الجماعية، وتفتح المجال أمام الشخصيات والراقصين كي يتحركوا ضمن بنية واحدة.
وحين تنجح الموسيقى في الاندماج بهذا الشكل مع الحركة والإضاءة والتمثيل، فإن المتلقي قد لا ينتبه إلى حضورها باعتبارها عنصرًا منفصلًا، لكنه يشعر بأثرها في إيقاع العرض كله. وهذه إحدى علامات الموسيقى المسرحية الناجحة.
«سلمى»… حين يصبح المسرح مدرسة
ما يميز تجربة فرقة «سلمى» في «ثلجية» هو هذا المزج بين الفن والتربية.
فالمسرح هنا لا يُعامل بوصفه منصة للعرض فقط، وإنما فضاء يتعلم فيه المشاركون كيف يعملون معًا، وكيف يحولون التدريب الطويل إلى لحظة حية أمام الجمهور.
وهذا الجانب مهم في مسرح الطفل واليافعين تحديدًا، لأن القيمة الحقيقية للعمل لا تُقاس فقط بما يحدث أثناء العرض، وإنما بما يتركه من أثر في الذين شاركوا في صناعته، وفي الذين جلسوا أمامه متفرجين.
الرملة تحتفي بالمسرح
وكان للحضور الجماهيري في قصر الثقافة بالرملة دلالة خاصة. مئات المشاهدين تابعوا العرض، في مشهد يؤكد أن الجمهور ما زال يجد في المسرح الحي تجربة لا يمكن أن تستبدلها الشاشات بسهولة.
وقد جاء العرض بدعم من بلدية الرملة، وبمبادرة من عضو البلدية والمحامي موسى سابا، في خطوة تضع الفعل الثقافي داخل المشهد العام للمدينة، وتمنح المسرح مساحة تليق بدوره في الحياة المجتمعية.
فالمسرح حين يصل إلى الجمهور في مدينته، لا يكون مجرد أمسية فنية؛ إنه فعل ثقافي يخلق لقاءً مباشرًا بين الفنان والمتلقي، ويمنح المكان ذاكرة جديدة.
وحين أُسدل الستار…
عندما انتهت «ثلجية» وأسدل الستار، لم تكن الحكاية قد انتهت تمامًا.
بقي منها شيء في حركة الراقصين، وفي حضور الممثلين، وفي الموسيقى التي قادت المشاهد من لحظة إلى أخرى، وفي الصورة التي صنعتها الخشبة، وفي التصفيق الذي جاء من جمهور وجد نفسه أمام عمل يعرف حكايته، لكنه شاهدها هذه المرة بعين مختلفة.
وربما تكمن قيمة «ثلجية» الأساسية في أنها لم تحاول أن تهرب من الحكاية الأصلية، بل أن تعيد اكتشافها من خلال المسرح العربي المعاصر، وأن تمنحها لغة يفهمها الطفل ويستمتع بها الكبار.
في النهاية، ليست «ثلجية» حكاية عن أميرة وملكة ومرآة فحسب. إنها، في صياغتها المسرحية، حكاية عن الخيال حين يتحول إلى عمل جماعي، وعن الفن حين يصبح تدريبًا وتربية، وعن خشبة تستطيع أن تجمع في لحظة واحدة بين الكلمة والحركة والموسيقى والصورة.
وفي الرملة، كانت «ثلجية» أكثر من عرض مسرحي؛ كانت ليلة أثبتت فيها فرقة «سلمى» أن الخيال، حين يجد من يصنعه بحب وانضباط، يستطيع أن يهبط من صفحات الحكايات القديمة إلى الخشبة، ثم يعود منها إلى الجمهور محمّلًا بصورة جديدة.
[email protected]
أضف تعليق