تخوض مجتمعاتنا في هذه الأيام واحدة من أكثر المحطات التاريخية حرجاً وتعقيداً إذ تتقاطع أزمة تفاقم آفة الجريمة والسلاح المنفلت مع تصاعد الملاحقات السياسية ومساعي التهميش والشطب الحزبي في محاولة واضحة لتقويض التمثيل السياسي الشرعي وتفكيك السلم الأهلي والأمن الشخصي في بلداتنا.

في ظل هذا المشهد المركب لم يعد التساؤل حول دور المرأة ومشاركتها في الحلبة السياسية والاجتماعية مجرد طرح نظري أو دعوة حقوقية تقليدية بل تحول إلى ضرورة استراتيجية وشرط وجودي لإعادة بناء الذات المجتمعية والصمود السياسي.

أولاً: الجريمة المنظمة والأمن القومي المجتمعي.. رؤية قيادية متكاملة
إن الجريمة وتداعياتها لا تستهدف الضحايا المباشرين فحسب، بل تطال نسيج الأسرة والمجتمع برُمته، وتضع المرأة بصفتها الأم والشريكة والفاعلة الميدانية في خط المواجهة الأول مع أبعاد هذه الأزمة.

إن دخول المرأة إلى دوائر صنع القرار ومواقع القيادة السياسية والمحلية يقدم منظاراً أكثر شمولاً في التعاطي مع العنف والجريمة:التوازن بين السيادة القانونية والتأهيل المجتمعي: بينما ينحصر الخطاب التقليدي غالباً في مطالبة المؤسسات الرسمية بتحمل مسؤولياتها تفرض القيادات النسائية رؤية توازنية تجعل من الوقاية والتأهيل النفسي الاجتماعي للشباب وتطوير التعليم أركاناً أساسية لا تقل أهمية عن المطلب الأمني.

فك حالة الشلل الجماهيري: إن مشاركة النساء في الهيئات القيادية واللجان الشعبية تعيد ترميم الثقة بالعمل الجماهيري والمؤسساتي وتكسر حالة الخوف والإحباط التي تسعى عصابات الجريمة ومخططات التهميش إلى فرضها على الشارع.

ثانياً: شطب الأحزاب والتضييق السياسي.. الحضور النسوي كأداة صمود وتجديد

إن المحاولات المتكررة لشطب الأحزاب العربية وتقليص هامش العمل السياسي والتأثير البرلماني والعمل الجماهيري تتطلب رداً لا يكتفي بالدفاع المباشر بل يذهب نحو تجديد الأدوات وتوسيع قاعدة النضال:

1. إعادة الاعتبار للشرعية الجماهيرية يمثل الحضور النسوي في مقدمة الأحزاب والمنابر السياسية رسالة تحدٍ واضحة مفادها أن النضال السياسي ليس شأناً نخبوياً ولا حصرياً بل هو مشروع مجتمعي شامل لا يمكن إقصاؤه أو تحييده.

2. صياغة خطاب القيمة العامة تساهم النساء القياديات في إعادة ربط الخطاب السياسي بالقضايا الحارقة للمواطن اليومي من الأمن والأمان إلى التعليم والرفاه الاقتصادي مما يعزز التفاف القواعد الجماهيرية حول قياداتها وأحزابها الوطنية في وجه محاولات النزع الشرعية.

ثالثاً: الحوكمة والإدارة في أوقات الأزمات

تؤكد النماذج القيادية في الإدارة العامة والسياسة أن مشاركة المرأة في إدارة الشأن العام ترفع من مستويات الشفافية والقدرة على التواصل المباشر مع احتياجات الجمهور الشاملة وتبني شبكات أمان مجتمعية أكثر مرونة واستجابة في حالات الطوارئ.

فالمرأة ليست مجرد متأثرة بالسياسات العامة بل هي صانعة استراتيجيات قادرة على تحويل النضال اليومي إلى أثر سياسي ملموس.

ختاما

لا نضال بنصف طاقة
إن مواجهة التحديات المصيرية التي تعصف بنا اليوم من استشراء الجريمة إلى محاولات الحظر والشطب السياسي لا يمكن أن تتحقق بمجتمع يعمل بنصف طاقته.
إن تعزيز وجود المرأة في الحلبة السياسية والاجتماعية ليس استجابة لمتطلبات مرحلية بل هو الركيزة الأساسية لتجديد شرعية العمل السياسي وتطوير أدوات المواجهة وضمان صمود مجتمعنا وحماية مستقبله.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]