مع افتتاح العام الدراسي، عادت أزمة نقص المعلمين إلى الواجهة، في ظل صعوبة تواجهها مدارس عديدة في شغل وظائف تدريسية، خصوصًا في الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية ومجالات التربية الخاصة.

وتلجأ مدارس في جهاز التعليم العبري إلى تشغيل طلاب لم يستكملوا تأهيلهم، ومتقاعدين، ومعلمين بموجب تصاريح استثنائية، في وقت ينتظر فيه آلاف المعلمين العرب الحاصلين على شهادات أكاديمية وشهادات تدريس فرصة للعمل في تخصصاتهم.

وتكشف المعطيات عن فجوة بين العرض والطلب داخل جهازي التعليم العربي والعبري. ففي المدارس العربية يوجد فائض في أعداد المعلمين المؤهلين مقابل عدد الوظائف المتاحة، بينما تواجه مدارس عبرية صعوبة في استقطاب معلمين، خاصة في مناطق ومواضيع تعليمية محددة.

وخلال نقاش عقدته لجنة التربية والتعليم في الكنيست في فبراير 2026، طُرحت تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 11 ألف معلم عربي غير موظف، مقابل نقص يُقدّر بنحو 4500 معلم في جهاز التعليم العبري.

لكن بيانات وزارة التربية والتعليم تحدثت عن نقص أقل بكثير على المستوى القطري، ما يعكس اختلافًا في طريقة قياس الأزمة. فالوزارة تعتمد عدد الوظائف الشاغرة المبلّغ عنها في موعد محدد، بينما يشمل النقص الفعلي صعوبة إيجاد معلمين مناسبين حسب التخصص والمنطقة، وتشغيل أشخاص لم يستكملوا تأهيلهم، وتسرب معلمين من المهنة.

وأظهرت معطيات مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست أن نحو 3 آلاف من خريجي مسارات إعداد المعلمين لا يدخلون جهاز التعليم سنويًا، وأن واحدًا من كل خمسة معلمين جدد تقريبًا يغادر الجهاز خلال خمس سنوات.

4 آلاف معلم عربي في المدارس العبرية

وتشير بيانات دائرة الإحصاء المركزية التي عُرضت في الكنيست إلى أن نحو 4 آلاف معلم عربي عملوا في جهاز التعليم العبري خلال العام الدراسي الماضي، أي ضعف العدد المسجل قبل خمس سنوات.

كما استوعب قرابة نصف المدارس الرسمية العبرية معلمًا عربيًا واحدًا على الأقل. وتظهر هذه الأرقام أن دمج المعلمين العرب قائم بالفعل، لكنه لم يتحول بعد إلى سياسة واسعة ومنظمة.

وبحسب بيانات دائرة الإحصاء، بلغ عدد العاملين في التدريس خلال العام الدراسي 2025–2026 نحو 228 ألفًا، بينهم قرابة 180 ألفًا في التعليم العبري و49 ألفًا في التعليم العربي.

أبو بكر لـ«بكرا»: الحل موجود داخل البلاد

وقال الدكتور حسام أبو بكر لـ«بكرا» إن حل جزء من أزمة نقص المعلمين موجود داخل البلاد، لكنه يحتاج إلى قرار حكومي وخطة تربط بين المدارس التي تبحث عن معلمين والمعلمين العرب الذين ينتظرون فرصة للعمل.

وأضاف: «في مكان تبحث المدارس عن معلمين، وفي مكان آخر ينتظر آلاف المعلمين العرب المؤهلين وظيفة في المجال الذي درسوه. استمرار هذا الوضع يعكس فشلًا في تخطيط القوى العاملة وهدرًا لرأس مال بشري استثمرت فيه العائلات والدولة».

وأشار إلى أن المعلمين العرب أنهوا دراستهم الأكاديمية وحصلوا على شهادات تدريس، لكن كثيرين منهم اكتشفوا بعد التخرج أن المدارس العربية لا توفر عددًا كافيًا من الوظائف.

وتابع: «إذا كان جهاز التعليم مستعدًا لتشغيل متقاعدين وطلاب ما زالوا في مرحلة التأهيل، فمن الواجب أن يجعل دمج المعلمين العرب المؤهلين جزءًا من سياسة وطنية».

أبعد من معالجة النقص

وأكد أبو بكر أن دمج المعلمين العرب في المدارس العبرية لا يقتصر على ملء الوظائف الشاغرة، بل يحمل أثرًا اجتماعيًا وتربويًا.

وقال: «المعلمة العربية التي تدخل صفًا في مدرسة يهودية لا تسد ساعات الرياضيات أو الإنجليزية أو العلوم فقط. هي تخلق لقاءً إنسانيًا يوميًا في مجتمع يستطيع فيه أطفال عرب ويهود العيش على مسافة قصيرة، وإنهاء 12 عامًا دراسيًا من دون أن يعرف بعضهم بعضًا».

وأضاف أن التواصل اليومي يساعد الطلاب على التعرف إلى المجتمع الآخر من خلال شخص يعمل معهم ويشارك في تعليمهم، بدل أن تتشكل معرفتهم بناء على تصورات مسبقة.

دعوة إلى خطة وطنية

ودعا أبو بكر إلى وضع خطة وطنية تبدأ بتحديد النقص وفق المنطقة والتخصص، وإنشاء قاعدة بيانات للمعلمين العرب الباحثين عن عمل، وربطهم بالمدارس التي تحتاج إليهم.

واقترح أن تشمل الخطة دورات تأهيل مكملة، ومرافقة مهنية للمعلمين والمدارس، ومعالجة الفجوات اللغوية والثقافية، إلى جانب وضع أهداف قابلة للقياس لدمج المعلمين العرب وترقيتهم داخل الجهاز.

وقال: «يجب تقييم المعلم وفق قدرته على التدريس والتربية والتأثير في طلابه، وليس وفق انتمائه القومي».

وختم أبو بكر حديثه لـ«بكرا»: «الجميع يربح من هذه الخطوة. المدارس تحصل على معلمين مؤهلين، والأكاديميون العرب يحصلون على عمل يلائم دراستهم، والدولة تستفيد من الموارد التي استثمرتها في تأهيلهم. الحل ليس في الخارج، بل موجود هنا، والمطلوب قرار يربط بين المعلمين الذين يبحثون عن صفوف والصفوف التي تبحث عن معلمين».

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]