تشير نتائج تحليل تلوي حديث شمل نحو 1.79 مليون شخص إلى وجود ارتباط بين الزواج وانخفاض مخاطر الوفاة، إذ أظهر الأشخاص غير المتزوجين معدلات أعلى للوفاة بشكل عام، وكذلك الوفاة الناجمة عن أمراض القلب والسرطان، مقارنة بالمتزوجين.
لكن الباحثين يحذرون من اختزال النتائج في فكرة أن الزواج بحد ذاته يطيل العمر، إذ يبدو أن جزءًا كبيرًا من الفائدة المحتملة يرتبط بالدعم الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، والسلوكيات الصحية، ووجود شخص قريب يمكنه ملاحظة التغيرات الصحية والتدخل في الوقت المناسب.
تحليل شمل نحو 1.8 مليون شخص
شمل التحليل التلوي الحديث 12 دراسة جماعية ونحو 1.79 مليون شخص، ووجد أن غير المتزوجين يواجهون مخاطر أعلى للوفاة من جميع الأسباب، إضافة إلى ارتفاع مخاطر الوفاة المرتبطة بأمراض القلب والسرطان.
كما أظهرت النتائج وجود اختلافات بين الرجال والنساء، إذ بدا أثر الزواج في بعض النتائج أقوى لدى الرجال.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن الزواج وحده هو السبب المباشر في إطالة العمر، لأن عوامل عديدة تتداخل في العلاقة بين الحالة الاجتماعية والصحة.
وجود شريك قد يساعد على اكتشاف المشكلات الصحية مبكرًا
أحد التفسيرات الأكثر وضوحًا يتمثل في وجود شخص قريب يلاحظ التغيرات التي قد لا ينتبه إليها الفرد نفسه.
فالشريك قد يلاحظ أن الشخص أصبح يتحدث أو يمشي بطريقة مختلفة، أو فقد وزنًا، أو بدأ يعاني من مشكلات في الذاكرة، وقد يدفعه إلى حجز موعد لدى الطبيب أو الالتزام بتناول الأدوية أو طلب المساعدة الطبية عند الضرورة.
وتبرز أهمية ذلك خصوصًا في الحالات الطارئة، مثل أمراض القلب. فقد يميل شخص يعاني ألمًا في الصدر وهو بمفرده إلى الانتظار والاعتقاد بأن الأعراض ستختفي، بينما قد يدفعه وجود شريك إلى التوجه سريعًا إلى غرفة الطوارئ.
الزواج قد يرتبط أيضًا بسلوكيات صحية أفضل
تشير الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في علاقات مستقرة قد يكونون أكثر التزامًا ببعض الإجراءات الصحية، مثل الفحوصات الطبية الدورية، وتناول الأدوية بانتظام، وتناول الطعام بصورة أكثر انتظامًا.
وفي بعض الحالات، يمكن للشريك أيضًا أن يحد من السلوكيات الخطرة أو يشجع على اتباع نمط حياة أكثر صحة.
لكن هذه الفوائد لا تنطبق بالضرورة على جميع العلاقات، فوجود علاقة عاطفية بحد ذاته لا يعني تلقائيًا حياة أطول أو صحة أفضل.
ليست كل العلاقات مفيدة للصحة
يحذر الباحثون من تجاهل جودة العلاقة عند دراسة تأثير الزواج على الصحة.
فالعلاقة المستقرة والداعمة قد توفر شعورًا بالأمان والدعم، بينما يمكن للعلاقة التي يسودها الصراع المستمر أو التوتر أو العنف أو انعدام الأمان أن يكون لها تأثير معاكس.
وقد يؤدي الضغط المزمن داخل المنزل إلى اضطرابات في النوم وتدهور الحالة النفسية وزيادة مستويات التوتر.
لذلك، فإن تصنيف الأشخاص ببساطة إلى "متزوجين" و"غير متزوجين" قد يخفي فروقًا كبيرة في تجاربهم وظروفهم الحياتية.
العامل الاقتصادي يلعب دورًا أيضًا
لا تقتصر فوائد العلاقة المستقرة المحتملة على الجانب الصحي المباشر، إذ يمكن أن توفر أيضًا شبكة أمان اقتصادية.
فوجود دخلين أو معاشين، وتقاسم النفقات والأعمال المنزلية، وتوفير المساعدة أثناء المرض، كلها عوامل قد تخفف الضغوط المالية وتساعد الأسرة على التعامل مع الأزمات الصحية.
وهذا يعني أن جزءًا من العلاقة التي تظهرها الدراسات بين الزواج والصحة قد يكون مرتبطًا بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للأشخاص، وليس بالزواج وحده.
هل الرجال يستفيدون من الزواج أكثر؟
من بين النتائج اللافتة في بعض الدراسات أن تأثير الزواج على الصحة والوفيات يبدو أقوى لدى الرجال مقارنة بالنساء.
ويرتبط أحد التفسيرات المحتملة بأن الزوجة تكون في كثير من الحالات العلاقة العاطفية والاجتماعية الأقرب إلى الرجل، خصوصًا في مراحل العمر المتقدمة.
وعندما يفقد الرجل زوجته، سواء بسبب الوفاة أو الانفصال، فقد يخسر في الوقت نفسه شريكة حياته، وصديقة مقربة، وشخصًا يشاركه مسؤوليات المنزل، وشخصًا يلاحظ التغيرات في حالته الصحية.
في المقابل، تميل النساء، في المتوسط، إلى الحفاظ على شبكة أوسع من العلاقات مع الصديقات وأفراد العائلة خارج إطار الزواج، ما قد يوفر لهن مصادر إضافية للدعم الاجتماعي.
الوحدة والعلاقات الاجتماعية عنصران مهمان
ترتبط هذه النتائج أيضًا بأبحاث أوسع حول الوحدة والعلاقات الاجتماعية، والتي تشير إلى أن الصحة لا تتحدد بعدد الأشخاص الذين يعرفهم الفرد، بل بجودة وقوة العلاقات التي تربطه بالآخرين.
وبالتالي، فإن الشخص غير المتزوج لكنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع الأصدقاء والعائلة، ويشارك في نشاطات اجتماعية ويحظى بشبكة دعم قوية، قد يكون في وضع صحي جيد جدًا.
الزواج ليس وصفة لإطالة العمر
هناك عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار، يعرف باسم تأثير الانتقاء. فالأشخاص الأكثر صحة، أو الذين يتمتعون بدخل أعلى ومهارات اجتماعية أفضل، قد يكونون أصلًا أكثر احتمالًا للزواج والاستمرار فيه.
لذلك لا يمكن تحويل نتائج الدراسات إلى نصيحة بسيطة من نوع: "تزوج لتعيش سنوات أطول".
كما أن الدراسات التي تجد ارتباطًا بين الزواج وانخفاض الوفيات لا تثبت بالضرورة أن الزواج هو السبب المباشر في هذا الانخفاض.
الخلاصة: الأهم هو وجود علاقات داعمة
تشير الأدلة إلى أن العلاقة الإنسانية المستقرة والداعمة قد تكون عاملًا مهمًا للصحة وطول العمر، لكن الزواج ليس العامل الوحيد ولا يمثل ضمانًا لحياة أطول.
فالفائدة المحتملة قد تأتي من مجموعة عوامل متداخلة، تشمل الدعم العاطفي، والوضع الاقتصادي، والسلوكيات الصحية، والنوم، والرعاية الطبية، ووجود شخص يتدخل عند ظهور مشكلة صحية.
وبذلك، قد لا يكون العامل الحاسم هو وجود خاتم في الإصبع، بل وجود أشخاص مقربين يمكن الاعتماد عليهم، سواء كان ذلك من خلال شريك حياة أو أفراد العائلة أو الأصدقاء أو المجتمع.
[email protected]
أضف تعليق