أربع منظومات تعليمية منفصلة تعكس الانقسام السياسي والاجتماعي
في إسرائيل، لا يتلقى جميع الطلاب التعليم ضمن منظومة واحدة، إذ تختلف ساعات الدراسة والمضامين التعليمية بشكل واضح بين التعليم العلماني، والتعليم الديني الرسمي، والتعليم الحريدي، والتعليم العربي.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم"، فإن الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 قد تكون ذات تأثير كبير على مستقبل جهاز التعليم، في ظل طرح الأحزاب خططًا لإجراء تغييرات واسعة تشمل مناهج التعليم والميزانيات وإدارة المدارس.
ومن بين المقترحات المطروحة: إلزام جميع القطاعات بتدريس مواد الأساس، الانتقال إلى خمسة أيام دراسية أسبوعيًا، ونقل مزيد من صلاحيات إدارة المدارس إلى السلطات المحلية، إلى جانب تغييرات في آليات التمويل.
فروق كبيرة في ساعات الدراسة والمضامين
وتكشف مقارنة أنظمة الساعات الدراسية عن فجوات واضحة بين القطاعات.
ففي الصف الأول في التعليم الحكومي العبري، يبلغ البرنامج نحو 25 ساعة أسبوعيًا، تتركز على اللغة العبرية والرياضيات والعلوم ومهارات الحياة.
أما في التعليم الديني الرسمي، فيبلغ البرنامج نحو 28 ساعة أسبوعيًا، بينها نحو سبع ساعات مخصصة لمواد دينية، مثل الدراسات الدينية والفقه والمشناه.
وفي التعليم الحريدي للبنين، يمتد اليوم الدراسي إلى ساعات بعد الظهر ويصل البرنامج إلى نحو 40 ساعة أسبوعيًا، مع تركيز كبير على الدراسات الدينية والصلاة. ووفق النظام الذي جرت مقارنته، لا تُدرس اللغة الإنجليزية والعلوم والتكنولوجيا بالصورة المعروفة في قطاعات أخرى، كما لا توجد حصة للتربية البدنية، بينما تُدرّس الرياضيات واللغة في ساعات متأخرة من اليوم.
ثلاثة لغات في التعليم العربي
أما في التعليم العربي، فتبلغ ساعات الدراسة في البرنامج الذي تمت مراجعته نحو 30 ساعة أسبوعيًا.
ويتعلم طلاب الصف الأول ثلاث لغات في الوقت نفسه: العربية باعتبارها لغة الأم، والعبرية، والإنجليزية، وتشغل اللغات الثلاث نحو 40% من البرنامج الأسبوعي.
وتزداد الفجوات وضوحًا في المراحل اللاحقة؛ ففي الصف التاسع، يتضمن البرنامج في التعليم العربي أكثر من عشر ساعات دراسية أسبوعية إضافية مقارنة بالتعليم الحكومي العبري، وفق المقارنة التي أوردها التقرير.
التعليم يعكس الروايات المختلفة للمجتمع
ولا تقتصر الفروقات على عدد الساعات والمواد الدراسية، بل تمتد إلى المضامين والقيم والهوية الثقافية.
ففي بعض القطاعات، تتركز ساعات طويلة على الهوية والدين، بينما يعطي التعليم الحكومي العبري مساحة أكبر للمواد الأساسية. وفي التعليم العربي، يحتل تعلم اللغات مكانة بارزة نتيجة الحاجة إلى التعامل مع ثلاث لغات منذ المرحلة الابتدائية.
ويرى منتقدون أن هذا الانقسام ينتج أربع منظومات تعليمية منفصلة إلى حد كبير، تعزز لدى الطلاب روايات وقيمًا مختلفة، مع وجود نقاط تماس محدودة بينهم.
مسؤولون تربويون يحذرون من تعميق الانقسام
وقالت مَعَيان حاجاج-كحلون، مديرة مجال التعليم الحكومي في مركز منور، إن أنظمة الساعات الدراسية تعكس التصورات المختلفة للتعليم في إسرائيل، معتبرة أن الفوارق بين القطاعات تكشف حجم الانقسام داخل المجتمع.
من جهته، قال البروفيسور حاييم شاكيد، رئيس الأكاديمية "حمدات"، إن نظام التعليم نفسه يساهم في خلق الانفصال بين مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي.
وأوضح أن عملية الفصل تبدأ في سن مبكرة جدًا، عندما يتعين على الأسر اختيار المسار التعليمي لأطفالها، معتبرًا أن وجود منظومات منفصلة لليهود والعرب، وللقطاعات الدينية والعلمانية، له "أثمان اجتماعية ثقيلة".
فجوات في الميزانيات أيضًا
ولا تقتصر الفروقات على عدد الساعات الدراسية، إذ يشير التقرير إلى وجود اختلافات في تمويل الطلاب.
وبحسب بيانات وزارة التعليم التي أوردها التقرير، يبلغ التمويل للطالب في المرحلة الإعدادية في التعليم الحكومي العبري نحو 23,971 شيكلًا، مقابل نحو 29,630 شيكلًا للطالب في التعليم الديني الرسمي.
وقدمت مجموعة من المنظمات التماسًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، تطالب فيه بتحقيق مساواة أكبر في الميزانيات وساعات الدراسة بين طلاب التعليم الحكومي العبري وطلاب التعليم الديني.
لماذا يحصل التعليم الديني على تمويل أكبر؟
بحسب البروفيسور شاكيد، فإن الفارق في التمويل يرتبط جزئيًا بالبنية المختلفة للمؤسسات التعليمية، مثل صغر حجم الصفوف ودمج التربية الخاصة واستيعاب المهاجرين، إضافة إلى وجود ساعات مخصصة للصلاة ومهام الحاخام المدرسي.
كما يختلف مفهوم التعليم نفسه بين القطاعات؛ فالتعليم الديني الرسمي يرى أن دوره لا يقتصر على تدريس المواد الأكاديمية، بل يشمل أيضًا ترسيخ الهوية الدينية ونمط الحياة الديني.
الانتخابات المقبلة قد تحدد اتجاه المنظومة
وفي ظل هذه الفوارق، تكتسب الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر 2026 أهمية خاصة بالنسبة لجهاز التعليم، إذ ستحدد نتائجها إلى حد كبير هوية الحكومة المقبلة وسياساتها تجاه المناهج والميزانيات وطبيعة العلاقة بين المنظومات التعليمية المختلفة.
وبذلك، لا تبدو المعركة الانتخابية المقبلة مرتبطة فقط بالسياسات الأمنية والاقتصادية، بل أيضًا بالسؤال حول أي نوع من التعليم والمجتمع تريد إسرائيل أن تبنيه لأطفالها في السنوات المقبلة.
[email protected]
أضف تعليق