بقلم: الدكتور محمد احمد حيدر

رغم التقدم الكبير في الطب، ما زالت الخرافات الطبية منتشرة بشكل واسع، بل إن بعضها ينتشر اليوم أسرع من أي وقت مضى بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. يكفي أن ينشر أحدهم قصة عن علاج “سحري” أو وصفة منزلية حتى يتداولها آلاف الأشخاص، دون أن يسألوا إن كانت صحيحة أو مدعومة بأي دليل علمي.

تكمن خطورة الخرافات الطبية في أنها لا تقتصر على نشر معلومات خاطئة، بل قد تدفع الناس إلى تأخير مراجعة الطبيب، أو إيقاف علاج مثبت الفعالية، أو استخدام وسائل قد تسبب لهم أضرارًا صحية حقيقية. وفي بعض الحالات، يكون الثمن تدهور المرض أو ظهور مضاعفات كان من الممكن تجنبها.

في الحقيقة، ليست الخرافات الطبية أمرًا جديدًا. فقد ظهرت منذ القدم عندما كان الإنسان يحاول تفسير الأمراض وعلاجها بالإمكانات المحدودة المتوفرة لديه. ومع مرور الزمن، بقيت بعض هذه المعتقدات تنتقل من جيل إلى آخر، حتى بعد أن أثبت العلم عدم صحتها.

لكن لماذا يصدق الناس هذه الخرافات؟
أحد أهم الأسباب أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تصديق التجارب الشخصية. فعندما يسمع شخصًا يقول: “استخدمت هذا العلاج وتحسنت”، قد يقتنع به أكثر من اقتناعه بدراسة علمية أجريت على آلاف المرضى. فالقصة المؤثرة تترك أثرًا نفسيًا أكبر من الأرقام والنتائج العلمية.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في انتشار المعلومات الطبية غير الدقيقة. فاليوم يستطيع أي شخص أن يقدم نفسه على أنه خبير، ويصل إلى جمهور واسع، حتى لو لم يكن لديه أي تأهيل علمي. وغالبًا ما تنتشر المعلومات المثيرة بسرعة أكبر من المعلومات الصحيحة لأنها تجذب الانتباه وتثير الفضول.

وفي المجتمعات العربية، توجد عوامل أخرى تساعد على استمرار هذه الظاهرة، مثل الاعتماد على النصائح المتوارثة، والثقة الكبيرة بتجارب الأقارب والأصدقاء، إضافة إلى محدودية الثقافة الصحية لدى بعض فئات المجتمع. كما أن بعض الناس يعتقدون أن كل ما هو “طبيعي” آمن وفعال، بينما ينظرون إلى الأدوية الحديثة بشيء من الشك، رغم أن كثيرًا من المنتجات الطبيعية قد تكون غير فعالة أو حتى ضارة إذا استُخدمت بطريقة خاطئة.

الحل لا يكون بمهاجمة الناس أو الاستهزاء بمن يصدق هذه الأفكار، وإنما بنشر الوعي الصحي وتبسيط المعلومات الطبية بلغة يفهمها الجميع. ومن المهم أيضًا تشجيع الناس على التأكد من مصدر أي معلومة قبل نشرها أو العمل بها، والاعتماد على الجهات الطبية الموثوقة والأبحاث العلمية بدلاً من الشائعات والتجارب الفردية.

في النهاية، الطب الحديث لم يصل إلى ما هو عليه بالصدفة، بل بفضل سنوات طويلة من البحث والتجارب والدراسات. لذلك، عندما يتعلق الأمر بصحتنا، فإن الاعتماد على الدليل العلمي يبقى الخيار الأكثر أمانًا، بينما قد تقودنا الخرافات الطبية إلى قرارات تكون عواقبها أكبر مما نتوقع.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]