قال د. شرف حسان، المختص في مجال التربية والتعليم، إن قرار الحكومة توسيع دور جهاز الأمن العام "الشاباك" في مكافحة الجريمة داخل المجتمع العربي هو قرار سياسي بامتياز، ولا يشكل بديلًا عن الخطط المدنية الشاملة المطلوبة لمواجهة العنف والجريمة.

وأضاف حسان في حديث لموقع "بكرا" أن التجارب السابقة في مواجهة منظمات إجرامية داخل المجتمع اليهودي أثبتت أن الحكومة والشرطة تملكان أدوات كافية للتعامل مع الجريمة المنظمة، من دون الحاجة إلى إشراك جهاز أمني يملك صلاحيات وقدرات واسعة.

وحذر من أن منح الشاباك صلاحيات جديدة في قضايا جنائية قد يؤدي إلى المس بحقوق مواطنين أبرياء، أو استخدام هذه الصلاحيات لأهداف لا ترتبط مباشرة بمكافحة الجريمة.

وقال: "الشاباك جهاز أمني خطير يملك قدرات هائلة، وقد تُستخدم هذه القدرات بصورة تمس حقوق المواطنين. كما قد تستغل الصلاحيات الجديدة لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بمحاربة العنف والجريمة".

وجاءت تصريحات حسان على خلفية خطة حكومية تقضي بتحويل نحو 532 مليون شيكل من ميزانيات الخطة الخمسية للمجتمع العربي إلى الشرطة والشاباك، بهدف توسيع النشاط ضد الجريمة المنظمة.

وبحسب الخطة المقترحة، سيخصص جزء كبير من المبلغ لتطوير قدرات استخباراتية وتكنولوجية في الشاباك، وإقامة وحدة جديدة داخله، إلى جانب إنشاء وحدة قطرية في الشرطة وتمويل وسائل عملياتية.

وحذر رؤساء سلطات محلية عربية ومنظمات مجتمع مدني من أن هذه الخطوة ستأتي على حساب ميزانيات مخصصة للتعليم والتشغيل والرفاه والتخطيط والتطوير الاقتصادي.

خطط شاملة تبدأ من المدرسة والشباب

وأكد حسان أن مكافحة الجريمة لا يمكن أن تعتمد على الأدوات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى خطة شاملة تعالج الظروف التي تدفع الشبان تدريجيًا نحو عالم الجريمة.

وأوضح أن هذه الخطة يجب أن تشمل الاستثمار في التربية والتعليم، ومكافحة الفقر، وتوفير فرص عمل بكرامة، وضمان حقوق العمال والعاملات، إلى جانب بناء برامج مهنية واجتماعية للشباب، خصوصًا الذين يعيشون ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة.

وقال إن انخراط الشبان في النشاط الإجرامي لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يبدأ في مراحل مبكرة، من خلال التأثر بالقيم والصور التي يقدمها عالم الجريمة، ثم يتطور في ظل الأزمات والضغوط التي يواجهها الشاب أو الطالب، وصولًا إلى المشاركة الفعلية في النشاط الإجرامي.

وأضاف: "مواجهة الجريمة تتطلب العمل مبكرًا مع الشباب والطلاب، ومواجهة ثقافة الجريمة والقيم والمفاهيم التي تروج لها. لا يكفي التحرك بعد وصول الشاب إلى مرحلة الانخراط الفعلي في الجريمة".

تقليص الميزانيات يضعف السلطات المحلية

وانتقد حسان تحويل ميزانيات التطوير إلى الأجهزة الأمنية، مؤكدًا أن تقليص ميزانيات الخطط الحكومية والسلطات المحلية سيضعف جهات تعاني أصلًا من أزمات مالية حادة.

وأشار إلى أن كثيرًا من البرامج القائمة في البلدات العربية لا تلبي الاحتياجات الفعلية للسكان، وأن تقليصها سيؤدي إلى إضعاف العمل التربوي والاجتماعي والاقتصادي بدل تعزيزه.

وقال إن السلطات المحلية تحتاج إلى موارد إضافية لتطوير التعليم، وتشغيل الشباب، وتوسيع الخدمات الاجتماعية والثقافية والرياضية، وليس إلى سحب الميزانيات منها.

وأضاف أن المس بهذه البرامج قد يزيد من عوامل الخطر التي تدفع الشبان إلى العنف والجريمة، بدل الحد منها.

الإحباط يدفع بعض المواطنين إلى تأييد الشاباك

وتطرق حسان إلى موقف المواطنين العرب من إشراك الشاباك، موضحًا أن الثقة بأجهزة الدولة منخفضة جدًا، لكن حالة الإحباط والعجز أمام استفحال الجريمة دفعت بعض الناس إلى تأييد تدخل الجهاز، أو إلى التعامل مع القرار بلا مبالاة.

وقال إن هذا التأييد لا يعني بالضرورة اقتناع المواطنين بسلامة القرار، بل يعكس شعورًا بأن جميع الوسائل الأخرى فشلت، وأن المجتمع العربي تُرك وحده في مواجهة الجريمة طوال سنوات.

وأضاف أن بعض المواطنين يعتقدون أن الشاباك يتدخل في شؤون المجتمع العربي في جميع الحالات، حتى من دون احترام القانون أو الحقوق الديمقراطية، ولذلك لا يرون فرقًا كبيرًا في منحه دورًا رسميًا جديدًا.

لكن حسان حذر من أن كثيرين لا يدركون الأبعاد القانونية والسياسية الخطيرة لهذا القرار، ولا تأثيره المحتمل على الحقوق والمؤسسات المدنية.

وقال إن توسيع دور الشاباك في قضايا جنائية يتناقض مع قيود قانونية تهدف إلى منع استخدام جهاز أمني في قضايا مدنية داخلية، وقد يؤدي إلى مزيد من المس بحقوق المواطنين.

واختتم حسان حديثه بالقول إن الاعتماد على الشاباك قد يضعف المجتمع العربي ومؤسساته ونضاله في القضايا الاستراتيجية، بينما تبقى المعالجة الحقيقية للجريمة مرتبطة بالتعليم، والعمل، والعدالة الاجتماعية، وتقوية السلطات المحلية، إلى جانب قيام الشرطة بواجبها المهني في ملاحقة المجرمين ومنظمات الجريمة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]