تشهد مدرسة تيراسانطة في عكا حالة من التوتر، بعد إثارة قضية الطالبة مدينة الحاج، على خلفية التعامل معها بسبب غطاء الرأس، وما إذا كان سيُسمح لها بالمشاركة في صورة وحفل التخرج مع زميلاتها.
وبحسب رسالة وجهها طلبة من المدرسة إلى الإدارة، فقد أعربوا عن رفضهم لطريقة التعامل مع الطالبة، مؤكدين أنهم لن يشاركوا في حفل التخرج إذا لم يتم حل القضية. واعتبر الطلبة أن المسألة لم تعد محصورة في مخالفة مزعومة لقواعد اللباس، بل أصبحت قضية تتعلق بكرامة طالبة وحقها في إنهاء مسيرتها المدرسية من دون إقصاء.
الوالد، حاولنا أن نصل إلى تفاهمات مع المدرسة
والد الطالبة، ياسر حاج، توجه برسالة إلى مديرة المدرسة غادة مخول، قال فيها إن ابنته اختارت قبل نحو عامين، عندما كانت في الصف الحادي عشر، الالتزام دينيًا وارتداء غطاء للرأس. وأضاف أن العائلة دخلت منذ تلك اللحظة في وضع حساس مع إدارة المدرسة بسبب الأنظمة الداخلية التي تمنع ارتداء المنديل داخلها، لكنها اختارت طريق التفاهم بدل التصعيد.
وبحسب رسالة الوالد، تم التوصل في حينه إلى تسوية تقضي بأن ترتدي مدينة “هودي” بدل المنديل داخل المدرسة، وألا يتم التعليق عليها أو مضايقتها بسبب ذلك. وأكد أن ابنته التزمت بهذا التفاهم طوال عامين، حتى في أيام الحر الشديد، حفاظًا على علاقتها بالمدرسة واحترامًا للمؤسسة التي تنتمي إليها.
غير أن العائلة تقول إن الأزمة عادت الآن مع اقتراب التخرج، بعد محاولة منع مدينة من الظهور في صورة التخرج أو المشاركة في الحفل بسبب مظهرها الديني. وكتب والدها أن مدينة طالبة متفوقة، يزيد معدلها عن 99، وتدرس الرياضيات والفيزياء والإلكترونيكا بمستوى خمس وحدات، مشددًا على أنها لم تبحث عن مواجهة مع المدرسة، بل طلبت أن تُعامل بإنصاف وأن تُنهي سنواتها التعليمية بكرامة.
الصلاحيات والقضاء
القضية أعادت إلى الواجهة ملفًا قديمًا في المدارس الكنسية والأهلية داخل إسرائيل: أين تنتهي صلاحية النظام الداخلي للمدرسة، وأين تبدأ حرية الطالب أو الطالبة في التعبير عن القناعة الدينية؟
هذه المسألة وصلت إلى القضاء في السابق. ففي عام 1994 نظرت المحكمة العليا الإسرائيلية في قضية منى جبارين ضد وزير التربية والتعليم. وتعلقت القضية بطالبة مسلمة طلبت ارتداء غطاء رأس في مدرسة ثانوية تابعة للطائفة اليونانية الكاثوليكية الملكية، وهي مدرسة معترف بها وغير رسمية. المحكمة بحثت التوازن بين حرية الدين والضمير للطالبة من جهة، وحق الطائفة الدينية في إدارة مدرسة ذات طابع خاص من جهة أخرى. وفي تلك القضية أعطت المحكمة وزنًا خاصًا للطابع التربوي والديني للمؤسسة، لكنها ميّزت أيضًا بين مدرسة أهلية ذات طابع ديني وبين مدرسة رسمية تابعة للدولة.
وفي عام 2010 وصلت قضية مشابهة إلى محكمة العمل اللوائية في القدس، لكن هذه المرة كانت تتعلق بمعلمة مسلمة في مدرسة شميدت للبنات في القدس الشرقية. المعلمة، نادرة نمري، عملت في المدرسة نحو 27 عامًا، ثم طلبت السماح لها بالتدريس وهي ترتدي الحجاب. المدرسة رفضت، والمحكمة بحثت ما إذا كان المنع يمس بحرية الدين، وما إذا كان هذا المساس مبررًا في ضوء الطابع الخاص للمدرسة. في القرار المؤقت، رفضت المحكمة طلب المعلمة بالعودة إلى العمل وهي ترتدي الحجاب، معتبرة أن المدرسة ذات طابع كاثوليكي خاص وأنها تطبق كود لباس موحدًا على المعلمات والطالبات.
غير أن قضية مدينة الحاج تحمل خصوصية مختلفة. فهي لا تتعلق فقط بدخول يومي إلى الصفوف، بل بلحظة تخرج وصورة جماعية وحفل رمزي ينهي سنوات طويلة من الدراسة. كما أن العائلة تؤكد أن الطالبة التزمت طوال عامين بتفاهم سابق مع المدرسة، ولم تفرض أمرًا واقعًا، بل حاولت التعايش مع النظام الداخلي رغم العبء الشخصي الذي ترتب على ذلك.
تعليمات وزارة التعليم
من جهة أخرى، تشير تعليمات وزارة التربية والتعليم بشأن اللباس المدرسي إلى أن التلبس الموحد ليس إلزاميًا في كل المدارس، بل يُترك القرار بشأنه لإدارة المدرسة. كما يحق للمدرسة وضع قواعد تتعلق باللباس والمظهر، شرط أن تكون هذه القواعد منشورة في النظام الداخلي، وأن تطبق بصورة متساوية، وأن تكون وسائل التعامل مع مخالفتها تدريجية ومحددة مسبقًا. وتشمل الوسائل التي تذكرها التعليمات تسجيل ملاحظة في بند “اللباس”، إجراء محادثة مع الطالب، محادثة مع الأهل، وفي حالات متكررة إضافة ملاحظة في الشهادة أو منع الدخول إلى الحصة مع إلزام الطالب باستكمال المادة. كما تؤكد التعليمات أنه لا يجوز منع دخول الطالب إلى المدرسة بسبب عدم الالتزام بالتلبس الموحد، ويجب تجنب أي رد فعل علني أو مهين أو محرج.
وبهذا المعنى، تفتح قضية مدينة سؤالًا قانونيًا وتربويًا يتجاوز حدود المدرسة نفسها. فحتى إذا كانت للمدارس الأهلية والكنسية مساحة أوسع في تحديد طابعها الداخلي، فإن هذه المساحة لا تعفيها من مبادئ الكرامة والمساواة وحق الطالب في التعليم، ولا تسمح بتحويل مناسبة التخرج إلى أداة ضغط أو إقصاء.
مساعي مكثفة
عضو لجنة الإصلاح عباس زكور قال لـ"بكرا" إنه تواصل مع عائلة الطالبة، وإن اجتماعًا عُقد بحضور والديها وعدد من الشخصيات المحلية، بينهم نائب رئيس بلدية عكا أدهم جمل، ورئيس لجنة الآباء القطرية زياد فيصل، والمحامية رهيفة زكور، والناشطة غدير هاني، وأحمد أبو شنب. وأضاف أنه يجري العمل على عقد لقاء مع إدارة المدرسة بهدف الوصول إلى حل يحفظ حق الجميع ويمنع أي توتر داخل المدينة.
كما أصدرت لجنة أولياء أمور طلاب مدرسة المنارة الابتدائية في عكا بيانًا تضامنيًا، أكدت فيه أن المدرسة يجب أن تبقى مساحة آمنة لجميع الطلاب، تحترم شخصياتهم وقناعاتهم، وتتعامل معهم بروح من الإنصاف والاحترام. وشدد البيان على أن الطالبة مدينة، بما عُرف عنها من تفوق والتزام وأخلاق، تستحق أن تعيش فرحة التخرج مثل باقي زميلاتها.
وتوجهنا إلى إدارة مدرسة تيراسانطة في عكا وإلى الجهات ذات الصلة في وزارة التربية والتعليم للحصول على تعقيب حول ما ورد في رسائل العائلة والطلبة والبيانات المحلية. وحتى موعد إعداد هذا التقرير، لم يصلنا تعقيب. وفي حال وروده، سيتم نشره.
[email protected]
أضف تعليق