كتب: الدكتور محمد حيدر

في السنوات الاخيرة لم تعد المستشفيات والعيادات محصورة فقط بالممارسة الطبية الصارمة، بل أصبحت حاضرة بقوة على منصات التواصل الاجتماعي حيث نرى بشكل متزايد فيديوهات لأطباء وممرضين داخل بيئة العمل، أحيانًا في لحظات عفوية من المزاح واللهو أو حتى الرقص.
بالنسبة للبعض، هذا محتوى خفيف وقريب من الناس، لكن بالنسبة لآخرين يطرح تساؤلات حقيقية حول المهنية وحدود المقبول في القطاع الصحي.

ما الذي يدفع الطواقم الطبية لهذا النوع من المحتوى؟

إلى جانب الدوافع المعروفة مثل حب الظهور، الترويج للعمل والخدمات، أو ببساطة تفاعل الجمهور مع هذا النوع من الفيديوهات، هناك عوامل إضافية تساعد في فهم انتشار الظاهرة:

* العمل في المجال الطبي مرهق ذهنيًا ونفسيًا، خصوصًا في بيئات مثل أقسام الطوارئ أو العناية المكثفة. بعض العاملين يلجؤون لمحتوى خفيف كطريقة للتنفيس، وكسر حدة الروتين اليومي، وإظهار جانب إنساني بعيد عن الضغط المستمر.
* هناك توجه حديث لكسر الصورة التقليدية للطبيب كشخص رسمي جدًا وإظهارهُ كشخص عادي لديه حياة وروح مرحة، مما قد يخفف التوتر لدى المرضى ويقلل الحواجز النفسية.
* الخوف من التهميش الرقمي فمع سيطرة الترندات والمحتوى السريع، يشعر البعض بضغط للحفاظ على حضور رقمي فعال ما يدفعهم لمواكبة الترند حتى لو كان على حساب الطابع المهني أحيانًا.
* الهواتف الذكية جعلت التصوير والنشر فوريًا وسهلًا جدًا. وجود الكاميرا دائمًا في الجيب، مع لحظة فراغ قصيرة خلال المناوبة، قد يحوّل أي موقف بسيط إلى محتوى قابل للنشر خلال دقائق، دون تفكير كافٍ في تبعاته المهنية.

ماذا يقول الجمهور؟
على صفحتي في الانستچرام والتي أسعى من خلالها ربفع الوعي الصحي وفي محاولة لفهم نظرة الناس، تم إجراء استبيان بسيط ،شمل حوالي 200 مشارك من المجتمع العربي ،معظمهم بين 18 و45 عامًا، وكانت نسبة النساء نحو 70%.

* 65% قالوا إن هذه الفيديوهات قد تؤثر على ثقتهم بالطبيب، مقابل 35% لا يرون ذلك.
* 64% أكدوا أن سلوك الطبيب خارج العمل يهمهم عند اختياره، مقابل 36% لا يعطونه أهمية كبيرة.

كيف يمكن قراءة هذه النتائج؟

النتائج تعكس صورة مركّبة، وليست بسيطة كما قد تبدو للوهلة الأولى فمن جهة، هناك تقبّل متزايد لفكرة أن الطبيب إنسان له حياته الخاصة، وأنه ليس مطلوبًا منه أن يكون رسميًا طوال الوقت، في طبيعة الحال هذا يظهر خصوصًا لدى الفئات الأصغر سنًا، التي نشأت في بيئة رقمية ترى في مشاركة الحياة اليومية أمرًا طبيعيًا.
لكن في المقابل، تبقى الثقة الطبية مرتبطة بشكل كبير بالصورة الذهنية للطبيب. عندما يرى جزء كبير من المشاركين أن هذه الفيديوهات قد تؤثر على ثقتهم،هذا يعني أن السلوك ولو كان بسيطًا أو عفويًا يُفسَّر أحيانًا كمؤشر على الجدية أو الالتزام.
من جهة اخرى الناس قد لا ترفض الفكرة بحد ذاتها، لكنها حساسة للسياق. فيديو طريف خارج أوقات العمل قد يكون مقبولًا، بينما نفس الفيديو داخل غرفة علاج أو خلال الدوام قد يُنظر إليه بشكل مختلف تمامًا. أي أن المشكلة ليست فقط في “ماذا” يُنشر، بل “أين” و”كيف” و”متى”.
اضف إلى أن الجمهور يشاهد ويتفاعل مع هذه الفيديوهات، لكنها في نفس الوقت قد تؤثر على قراراته عند اختيار الطبيب. بمعنى آخر، ما يجذب الانتباه ليس بالضرورة ما يبني الثقة.

في النهاية ،هذه الظاهرة ليست سلبية بالكامل ولا إيجابية بالكامل. هي نتيجة طبيعية لعصر اختلطت فيه المهن بالحضور الرقمي، وتغيّرت فيه توقعات الناس فالتحدي الحقيقي ليس في منع هذا النوع من المحتوى، بل في إيجاد توازن ذكي.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]