في تاريخ الدراما العربية، لم تشكل أي مؤسسة أمنية مادةً دسمة ومُعقَّدة كما فعل الأمن السوري, فمنذ عقود, لم يكن رجل الأمن على الشاشة مجرد شخصية عابرة، بل كان "سقفاً" يحدد مساحة التنفّس للنص، و"شرطاً" غير مكتوب لصناعة الحكاية.
واليوم، ونحن نراقب المسافة الفاصلة بين الدراما التي أُنتجت تحت سلطة النظام السابق، وتلك التي تُنتج حالياً بعد انهياره، نكتشف أن تناول "الأمن" انتقل من مرتبة "المقدس المصطنع" الذي يُلمس بحذر، إلى "البنية القابلة للتفكيك" والتشريح العاري.
إنها رحلة سردية كشفت عورات النظام بقدر ما كشفت عبقرية صناع الدراما السورية في التحايل، ثم المواجهة.


مُختَبَر الاستبداد: كيف صقل الممنوع أدوات المُبدِع؟

قبل الغوص في التفاصيل، ثمة حقيقة فنية لا يمكن تجاوزها: لقد كانت سطوة الرقابة السورية، رغم دكتاتوريّتها، هي "المختبر" الذي صقل أدوات المبدع السوري!
فبينما كانت الدراما المصرية تغرق في الميلودراما المكررة، والخليجية تدور في فلك النزاعات الأسرية المترفة، كان الكاتب السوري ينحت نصه من صخر الممنوع, هذا القمع أَنتَج عضلة إبداعية جبّارة في استخدام الرمز والاستعارة وبناء الشخصيات ذات الأبعاد النفسية العميقة، مما جعل الدراما السورية تتفوق بأشواط عن غيرها، وتتحول الى مرآة لهواجس العربي الذي وجد فيها ما لا يجرؤ على قوله.
استراتيجية "صمّامّات الأَمان": التنفيس تحت سقف الرّقيب
في المرحلة التي سبقت عام 2011، لم يكن ظهور الأمن على الشاشة تمرداً بقدر ما كان تنفيساً مدروساً, حيث استخدم النظام الدراما برأيي كصمّام أمان عبر ثلاثة استراتيجيّات سايكولوجية:

الأُولى - أَنْسَنَة السّاديّة:
في مسلسل "الولادة من الخاصرة" (2011، إخراج رشا شربتجي وتأليف سامر رضوان) كمثال، قدّم عابد فهد واحدة من أكثر الشخصيات رعباً: "المقدم رؤوف".
سيكولوجياً، صُور رؤوف كرجل مأزوم في الكثير من عقد النقص التي تراقصت ما بين العقم والطفولة المعنفة, هذا التنميط كان برأيي "فخاً رقابياً", إذ حوّل الفساد من "جريمة مؤسساتية" إلى "مرض نفسي فردي"!
رقابة النظام هنا برّأت نفسها قائلة: "المشكلة في ساديّة هذا الضابط، لا في الجهاز الذي منحه السلطة".
ضمن هذه اللغة, يُقدَّم الأمن بوصفه حقيقة نهائية لا بوصفه منظومة يمكن مساءلتها وتوجيه اصبع التهام تجاهها بانها هي من منحت عنصر الأمن هذا الحرية المطلقة في فعل ما يشاء!
النص لم يمجد المقدم رؤوف صراحة, بل عجز عن تفكيكه حتى النهاية, والقصد من التفكيك في هذه الحالة, هو تعرية جذور سلوك شخصية المقدم رؤوف كمُنتَج طبيعي لنظام مؤسساتي فاسد يصنع أمثاله ويحميهم، بدلاً من حصرها في إطار "الحالة الفردية" المريضة نفسياً, وبدون هذا التفكيك، ينجو النظام الأكبر من المساءلة، ويتحول النقد الدرامي إلى مجرد هجوم على أفعال شرير محدد دون المساس بجوهر المنظومة التي تمنحه الشرعية.

فتتكون قداسة سالبة, قداسة تقوم على الامتناع عن تسمية الأشياء بأسمائها وعلى ترك الباب موارباً, وفي أفضل الأحوال, على صناعة شرير قابل للتضحية كي ينجو النظام الأكبر من التشخيص, حتى عند تصوير المقدّم رؤوف يقوم بإطلاق النار على متظاهرين عُزّل !
الثّانية - نزع السّلاح بالضحك:
في الكوميديا السوداء, "ضيعة ضايعة" (2008-2010، إخراج الليث حجو وتأليف د. ممدوح حمادة) كمثال, برزت شخصية رئيس المخفر "أبو نادر" (جرجس جبارة) ومساعده حسّان (حسين عبّاس).
هنا، حوّل د.ممدوح حمادة "البعبع" الأمني إلى شخصية كاريكاتورية مضحكة تفتقر للهيبة, وبنظري, استعمل حمادة هنا سيسموغراف في ذروة الدهاء والتحايل, اذ تم تصوير رجل الأمن كشخص غبي وعديم الهيبة والوقار, بل انه صور المخفر كمكان يتيم, لا يوجد فيه سوى البيض ( وهنا يكمن ذكاء ممدوح حمادة في ربط المخفر بالبيض, إذ استعمل هنا ميتافور عظيم: البيض تفوح منه رائحة الزفر والزنخة, ولكم أن تتخيلوا لماذا وجد البيض تحديداً في المخفر).
لكن إذا حللنا موافقة الرقابة لهذه الكتابة سيكولوجياً، نكتشف أن هذا النمط, يكسر حاجز الخوف لدى المشاهد عبر التطبيع مع وجود الأمن كجزء غير مؤذٍ من الديكور الاجتماعي، وهو ذروة الدهاء في امتصاص غضب الجماهير, بل ويدجّن فكرة القمع.

الثّالثة - تعميم الخطيئة:
في مسلسل "المفتاح" (2012، إخراج هشام شربتجي، تأليف خالد خليفة)، نتابع شخصية "مسعود" (باسم ياخور) وارتباطه بالمسؤول "رشيد" (محمد حداقي).
هذا العمل حاول تقديم الفساد كـ "مرض اجتماعي" شامل ! وعندما يصبح الجميع فاسدين، يضيع المسؤول المباشر عن مركز الحدث, وتضيع معه مفاتيح باب المسؤولية.
برأيي أن الرقابة سمحت بهذا النص لأنه يحوّل الاتهام من "السلطة السياسية" إلى "الأخلاق المجتمعية"، فصار المواطن هو المتهم الأول بالفساد, وهذا التعميم هذه كرّر نفسه في مسلسلات كثيرة, مثل مرايا ياسر العظمة ويوميات مدير عام ولوحات بقعة ضوء وغيرها.

عجز التفكيك: ما الذي كان ينقص نص ما قبل السقوط؟

حين أقول إن أعمال تلك المرحلة قصرت عن "تفكيك البنية"، فإني أقصد غياب التشريح لآلية عمل الماكينة الأمنية ككل, إذ كان النص قادراً على وصف "رائحة العفن" (سلوك ضابط فاسد، مسؤول مرتشي ومستبد, قسوة مخفر محدد)، لكنه عجز عن تسمية "العفن" نفسه الذي ينبع السياسة الممنهجة للجهاز، تغوّل الأمن على القضاء والاقتصاد والحياة اليومية بدعم من رأس الهرم, اذ كان الأمن يُقدم كـ "قَدَر" نهائي لا يمكن تغييره، لا كمنظومة وظيفية يمكن تفكيكها، نقدها، وإعادة صياغتها.
الزلزال الدرامي: الخروج من القفص
بعد عقود من الصمت والمراوغة، حدثت القفزة النوعية التي كسرت "المرآة المشوهة" في عملين مفصليّين:
الأول: "ابتسم أيها الجنرال" (2023): بتوقيع المخرج عروة محمد والكاتب سامر رضوان، وبطولة مكسيم خليل وعبد الحكيم قطيفان.
وهنا يجب الإنصاف زمنيًا وفنيًا, فمسلسل "ابتسم أيها الجنرال"، وإن أُنتج وعُرض قبل السقوط الفعلي للنظام بقرابة العام، إلا أنه ينتمي سيكولوجياً وفنياً إلى "مرحلة ما بعد الانهيار", لماذا؟ لأنه أُنتج خارج مظلة الرقابة السورية وبتمويل غير محلي، مما منحه سقفاً لم يكن متاحاً سابقاً.
حيث لم يعد الأمن هنا "مفرزة" في ضيعة، بل أصبح "سلالة" تحكم القصر, هذا العمل نقل الصراع إلى غرفة اتخاذ القرار، محطماً قداسة "الرأس"، ومحولاً الأمن من أداة قمع إلى "منطق وراثة" وبنية حكم كاملة.

الثاني: "الخروج إلى البئر" (2026): العمل الأحدث الذي أخرجه محمد لطفي وكتبه سامر رضوان، وجمع نخبة من النجوم كـ جمال سليمان وكارمن لبس.
هنا نصل إلى "تفكيك البنية" في ذروتها. السجن (صيدنايا) لم يعد استعارة بعيدة، بل صار هو "الراوي". القفزة النوعية هنا تكمن في تصوير الأمن كـ "مهندس للزمن السوري"، يعيد تعريف الهوية والعائلة والجرح الجماعي، متجاوزاً منطق "الشرير السطحي" إلى منطق "المنظومة التاريخية"!
وبرأيي, فإن كتّاب الدراما السورية لم يكونوا ليستطيعوا كتابة مسلسل كهذا لو لم تكن الأرض خصبة نتاج نفس العضلة التي استطاعت التحايل على الرقابة طوال عقود, فما ان سقطت النظام ورقابته, حتى روينا بنصوص تحاكي الواقع بحريّة كاملة !


أثر السوط الباقي ومعضلة "الحرية الجديدة"
إن الرحلة من تلميحات الولادة من الخاصرة إلى مكاشفات الخروج إلى البئر، تعكس نضجاً درامياً استثنائياً, لكن التحدي الحقيقي اليوم ليس في قول ما كان محظوراً فحسب، بل في تحرر الكتّاب من الرقيب المقيم في الرأس.
نعم، سقطت رقابة النظام القديم، وتوفرت مساحة سردية واسعة لتناول جرائم الحقبة السابقة، وهذا بحد ذاته مكسب هام واستحقاق فني وتاريخي. ولكن، هل حقاً سيعيش النص السوري الجديد "حرية كاملة"؟
لا شك أن الصورة معقدة, فبينما أُزيحت الخطوط الحمراء القديمة المتعلقة ببشار الأسد وأجهزته الأمنية، بدأت ترتسم خطوط حمراء جديدة، صريحة أو ضمنية، تفرضها القوى المسيطرة الجديدة وطبيعة المرحلة الانتقالية.
وهنا يبقى السؤال معلقاً: هل تملك الدراما السورية اليوم الجرأة ذاتها لتشريح آليات عمل قوى "الأمر الواقع" الجديدة؟ هل تستطيع سرد قصص ضحايا التشدد، وضحايا مجازر السويداء والساحل, أو انتقاد الخلفيات الأيديولوجية والسياسية للقيادات الحالية بالعمق والجرأة ذاتهما؟
الدراما السورية، التي كانت سيدة الشاشات وهي مكبّلة، مطالبة اليوم وهي حرة بأن تكتب الأمن كذاكرة وسؤال فلسفي، لا كديكور سريع الاستهلاك, فالحرية ليست نهاية الطريق، بل هي بدايته لإعادة بناء الحقيقة فوق أنقاض المقدس المصطنع.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في استبدال تمجيد السلطة بلعنها بصوتٍ عالٍ، بل في استعادة الإنسان السوري من ركام التنميط الذي فرضه الأمن لعقود, على الكاتب السوري الآن أن يحوّل الدراما من منشور سياسي عابر إلى وثيقة وجدانية تُرمم الوعي، فالفن الحقيقي لا يكتمل بتحطيم القيود فحسب، بل بالقدرة على النظر إلى الندوب القديمة بجرأة مَن يكتب التاريخ ليحرره، لا ليجترّ آلامه …

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]