منذ عدة أشهر، أزور بشكل شبه يومي عائلات ثكلى، عائلات ضحايا القتل في المجتمع العربي. أسمع وأرى الألم الهائل الذي يعيشونه. أصل إلى هذه البيوت في إطار "حملة الحصانة الاجتماعية" التي أطلقها حراك نقف معًا، وفي كل خيمة عزاء تقريبًا نصل إليها تتكرر جملة واحدة: "قُتل عن طريق الخطأ"
هذه الجملة تكشف إلى أي مدى أصبح القتل أمرًا شائعًا في مجتمعنا، صار القتل حدثًا عرضيًا، وإلى أي حد يمكن أن يطال أي إنسان، في أي مكان: في الشارع، في ساحة بيته، أو حتى في غرفة نومه.
نعم، أسمع من يحمّل مجتمعنا المسؤولية، من يقول إن هذه "ثقافتنا"، ولهؤلاء أقول بوضوح: لا توجد أي سياسة حكومية جادة لمنع الجريمة في المجتمع العربي. ولهذا السبب لا يخشى القتلة ولا منظمات الإجرام الشرطة ولا سلطات إنفاذ القانون. لذلك يسمحون لأنفسهم بارتكاب "أخطاء" تكلّف أرواحًا بشرية، لأنهم يعلمون أنه لن يحدث لهم شيء في كل الأحوال، سواء قتلوا مجرمًا أو مواطنًا بريئًا. الناس في المجتمع العربي يعيشون اليوم في خوف دائم، في أي مكان يتواجدون فيه. يخشون أن يتحولوا إلى جزء من الإحصائيات، إلى رقم جديد يُذكر في نشرات الأخبار. أما المجرمون؟ فهم لا يخشون شيئًا.
على المجتمع العربي أن يدرك أن لدينا قوة حقيقية، وأننا قادرون على شلّ الدولة.
عندما يقرر الناس إغلاق مصالحهم، والإضراب، وعدم الذهاب إلى العمل، وخسارة مصدر رزقهم، فهم لا يفعلون ذلك من باب الرفاهية، بل لأنهم لم يعودوا يملكون أي بديل. وصلنا إلى وضع بات فيه الخيار: إما الإضراب أو الموت. ما الذي نطالب به في النهاية؟ نطالب فقط بما نطالب به منذ خمس سنوات: جمع السلاح غير القانوني، تفكيك منظمات الإجرام، والعمل على ضمان حصول المواطنين العرب على قروض من البنوك بدل اضطرارهم، في لحظات الضيق، إلى اللجوء للسوق السوداء. في عام 2025 وحده، قُتل 252 إنسانًا، 90% من جرائم القتل نُفذت بواسطة السلاح الناري. هل يتخيل أحد أن وضعًا كهذا كان يمكن أن يستمر لو لم يكن الحديث عن المجتمع العربي؟
شرطة الوزير بن غفير أصبحت اليوم شريكًا لمنظمات الإجرام. الشرطة تراقب من بعيد ولا تتدخل. المجرمون يتجولون في شوارعنا، ينشرون على "تيك توك" مقاطع لهم وهم يطلقون النار ويتباهون بأفعالهم. لا يُعتقلون ولا يُحقق معهم. لا توجد شرطة، وهناك مجرمون يسيطرون على الشوارع. يجب قول ذلك بأوضح العبارات: في ظل الوزير بن غفير، دولة إسرائيل لا تحكم ولا تسيطر على ما يجري داخل حدودها. الدولة تتركنا لمصيرنا. وهذه سياسة متعمدة، وليس مجرد خطأ عابر.
على المجتمع العربي أن يدرك حجم قوته. نحن نشكل 40% من الطواقم الطبية في المستشفيات، و60% من سائقي الحافلات. نحن قادرون على شلّ الدولة. الإضراب الذي بدأ هذا الأسبوع في سخنين لا يجب أن يبقى في سخنين فقط، بل يجب أن يمتد إلى جميع السلطات المحلية في البلاد، بما فيها السلطات اليهودية.
عندما نصل لتقديم واجب العزاء، نكون يهود وعرب، نرى مقدار القوة التي يمنحها ذلك للعائلات الثكلى، حين تدرك أن هذا نضال مشترك. إن المعركة لإنهاء هذا الواقع العبثي هي معركة على مجتمعنا، على مجتمع يناضل من أجل الحياة، من أجل الحق في حياة آمنة خالية من الخوف. إذا وقفنا معًا في هذه اللحظة الحاسمة، وطالبنا حكومتنا بألا تتخلى عنا، فسننجح في تغيير هذا المكان ليكون أفضل لنا جميعًا.
رلى داوود هي مديرة قطرية مشاركة في حراك "نقف معًا"
[email protected]
أضف تعليق