بقلم: عمر سكسك

هناك لحظات لا يمكن للمرء أن يتعامل معها باعتبارها خبرًا عابرًا في نشرة الأخبار. لحظات تفرض علينا أن نتوقف، وأن نسأل أنفسنا: إلى أين نتجه، وأي مجتمع نبني ، وما الذي بقي من المساحة الديمقراطية التي طالما تغنت بها دولة إسرائيل أمام العالم .

اعتقال الناشط والصحافي ورئيس الهيئة الإسلامية المنتخبة في يافا، عبد القادر أبو شحادة، على خلفية اتهامات تتعلق بالتعامل مع عميل أجنبي،وهي اتهامات نرفضها جملة وتفصيلا ويثير توقيتها وطبيعتها تسؤلات جدية تتجاوز شخصه والقضية القانونية نفسها. فالاتهام ليس إدانة،

لكن من حق المجتمع أيضًا أن يسأل عن توقيت هذه الإجراءات وسياقها، ولصالخ من تعمل وأي أجندة تخدم وأن يتساءل عما إذا كانت مساحة العمل الأهلي والوطني وحرية التعبير في إسرائيل تتعرض لتضييق متزايد.

هل أصبح صاحب الموقف مصدر خطر. وهل بات الدفاع عن الحقوق سببًا يستدعي وضع الإنسان تحت دائرة الاشتباه .

ما يحدث في يافا يذكرني بالتناقض العميق الذي تعيشه دولة تتغنى بالديمقراطية وحرية التعبير، بينما تتسع فيها، يومًا بعد يوم، أصوات سياسية لا ترى في المواطنين العرب شركاء متساوين، بل مواطنين ينبغي أن يبقوا صامتين، وأن يعرفوا حدودهم، وألا يتجاوزوا المساحة التي يُسمح لهم بالتحرك داخلها.فالمساحة تكاد تكون معدومة .

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس اعتقال ناشط أو استهداف شخصية عامة فحسب، بل خلق مناخ عام يشعر فيه الناس بأن الكلام قد يكون مكلفًا، وأن الاعتراض قد يتحول إلى تهمة، وأن المطالبة بالحقوق قد تضع صاحبها في دائرة الاستهداف.

هنا لا يعود الخوف شأنًا فرديًا، بل يتحول إلى أداة سياسية لإعادة تشكيل المجتمع، ودفع أكبر شريحة ممكنة منه إلى الصمت والتراجع والانسحاب من المجال العام.

وكأن الرسالة التي يراد إيصالها هي: لا تتدخلوا، لا تسألوا، لا تعترضوا، ولا ترفعوا أصواتكم. اتركوا المجال لمن يملك القوة كي يقرر عنكم، وعن مستقبلكم، وعن حقوقكم.

لكنني أقول بوضوح: لن يردع هذا الأسلوب عبد القادر أبو شحادة، ولا كل من يؤمن بأن الدفاع عن الحقوق الأساسية ليس امتيازًا تمنحه السلطة، بل حق أصيل لا يجوز مصادرته.

ولن ينجح التخويف في إسكات مجتمع يعرف تاريخه، ويدرك معنى الانتماء، ويتمسك بحقه في المواطنة الكاملة والكرامة الإنسانية.

إن المشهد السياسي الإسرائيلي بات يشبه، على نحو مقلق، مسابقة مفتوحة على التطرف: من الأكثر تشددًا، من الأكثر عنصرية، وزرع واعز الخوف الذي يخدم اجندتهم ،ومن يستطيع أن يعزف النغمة الأكثر انسجامًا مع أذن اليمين المتطرف

وفي هذه السيمفونية الصاخبة، يبدو أن الديمقراطية أصبحت كلمة جميلة للاستهلاك الخارجي، بينما يجري تفريغ مضمونها في الداخل.

والمفارقة أن هذا الخطاب لا يكتفي بملاحقة الأصوات المعارضة، بل يحاول أيضًا تحويل وجود المواطنين العرب ومشاركتهم السياسية إلى مشكلة، وكأن صوت الناخب العربي، حين يمارس حقه الديمقراطي، يقطع الطريق أمام مشاريع سياسية اعتادت أن تتحرك دون مساءلة.

لعل أكثر ما يثير القلق هو أن البعض يتصرف وكأن الله قد ختم على سمعهم وأبصارهم وقلوبهم؛ فلا يرون أن روايت التخويف لا تصنع مجتمعًا مستقرًا، ولا أن العنصرية لا يمكن ان تبني دولة قوية، ولا أن إسكات الناس لا يلغي مطالبهم، بل يجعل الجراح أعمق والأزمات أكثر تعقيدًا.

إن الصوت العربي الذي يطالب بالمساواة، ويشارك في الانتخابات، وينتخب ممثليه، ويدافع عن حقوقه، ليس عائقًا أمام الديمقراطية. إنه أحد الاختبارات الحقيقية لصدقها.

فالديمقراطية لا تُقاس بمدى حرية من يتفقون مع السلطة، بل بمدى قدرتها على حماية حقوق من يعارضونها.

ومن هنا، فإن الوقوف إلى جانب عبد القادر أبو شحادة ، هي حماية حرية التعبير والعمل المجتمعي، وعدم تحويل الاتهامات إلى وسيلة لترهيب المجتمع.

إننا لا نريد فوضى، ولا نريد صدامًا، ولا نطلب امتيازات على حساب أحد. نريد أن نعيش بكرامة، وأن نمارس حقوقنا دون خوف، وأن نكون شركاء حقيقيين في تقرير مستقبلنا.

لقد تعلمنا من تاريخنا أن المجتمعات التي تتخلى عن أصواتها الحرة تفقد تدريجيًا قدرتها على الدفاع عن نفسها. وأن الصمت الذي يُفرض بالخوف قد يبدو استقرارًا لبعض الوقت، لكنه ليس سلامًا ولا ديمقراطية.

عبد القادر أبو شحادة ليس القضية وحده. القضية هي حق كل إنسان في أن يكون له صوت، وموقف، وكرامة، ومكان في وطنه.

ولمن يظن أن الخوف سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، نقول: قد تستطيعون أن تزرعوا الخوف لبعض الوقت، لكنكم لن تستطيعوا أن تجعلوا المطالبة بالحق جريمة، ولا أن تجعلوا الصمت بديلًا عن العدالة.

فالدولة التي تخاف من أصوات مواطنيها، عليها أن تسأل نفسها عمّا تخشاه، لا أن تطالب مواطنيها بالصمت.

الديمقراطية ليست سيمفونية يعزفها أصحاب السلطة على هواهم. إنها حق الجميع في أن يكون لهم صوت، حتى عندما تكون أصواتهم مزعجة لمن يحكمون .كلنا عبد ابو شحادة .سيخرج عبد ويحمل على الأكتاف ويستقبل بالهتافات والزغاريد ونستمر بواجبنا لبناء الأمل دون خوف .فمشروعنا مغاير تماما لمشروع التطرف .فمشروعكم خلق حروب لا تنتهي .مشروعنا سلام حرية وعدالة اجتماعية لا تنتهي .فالحب والسلام سيبقى ،والتطرف والعنصرية والفاشية الى مزبلة التاريخ .

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]