كتب: د. حسام أبو بكر

لم تكن نتائج انتخابات الكنيست السادسة والعشرين مجرد إعادة توزيع للمقاعد بين الأحزاب والكتل السياسية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واجتماعية عميقة، تستحق قراءة تتجاوز لغة الأرقام وحسابات الربح والخسارة. فقد كشفت عن تحولات في المزاج العام للمجتمع العربي، وفي علاقته بالعمل السياسي والهوية الجماعية والمواطنة، كما وضعت المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما القوى التي تطرح نفسها بديلًا للحكم، أمام امتحان حقيقي يتعلق بمستقبل الشراكة السياسية اليهودية العربية.

الصوت الداخلي: من الإحباط إلى استعادة المبادرة

لعل أبرز ما يمكن قراءته في السلوك الانتخابي للمجتمع العربي هو أن الدافع الأساسي للخروج إلى صناديق الاقتراع لم يكن بالضرورة الاقتناع الكامل بالأحزاب وقياداتها، ولا الاستجابة التقليدية للحملات الانتخابية، بل صوتًا داخليًا جمعيًا، تشكّل بفعل تراكم الإحباط والقلق والشعور بتزايد التهميش، وتآكل المكانة المدنية والسياسية للمواطن العربي.

هذا الصوت الداخلي عبّر عن إدراك متنامٍ بأن العزوف عن المشاركة لا يعاقب الأحزاب وحدها، بل قد يضعف قدرة المجتمع العربي نفسه على الدفاع عن حقوقه ومصالحه والتأثير في مستقبله.

لقد اختار الناخب العربي، في هذه القراءة، أن يستعيد زمام المبادرة، وأن يقول إن صوته ليس مجرد ورقة انتخابية، بل أداة للدفاع عن وجوده المدني وكرامته ومكانته السياسية.

التصويت العربي للأحزاب العربية: الهوية الجمعية تعود إلى الواجهة

إن تركّز نحو 90% من أصوات الناخبين العرب في الأحزاب العربية، إذا تأكدت هذه النسبة في النتائج التفصيلية، يحمل دلالات تتجاوز الانتماء الحزبي. فهو يعكس ميلًا إلى التعبير عن هوية سياسية جمعية، وإلى البحث عن تمثيل يُنظر إليه بوصفه أكثر ارتباطًا بالتجربة اليومية للمواطن العربي وتحدياته.

ولا يعني هذا بالضرورة تبني الناخبين جميع مواقف الأحزاب العربية، أو منح قياداتها تفويضًا مفتوحًا. بل يمكن قراءة هذه النتيجة بوصفها رسالة ثقة مشروطة، ورسالة احتجاج في الوقت ذاته، على واقع سياسي يشعر فيه كثيرون بأن قضايا المجتمع العربي لا تحتل المكانة التي تستحقها في أولويات الأحزاب الكبرى.

وهنا تقع على عاتق الأحزاب العربية مسؤولية مضاعفة. فالثقة الانتخابية ليست شيكًا على بياض، ولا ينبغي أن تتحول إلى رصيد يُستهلك في المنافسات الحزبية والخلافات الداخلية. إنها أمانة سياسية تقتضي الانتقال من الشعارات إلى الإنجازات، ومن الخطاب الهوياتي وحده إلى العمل المنظم لمعالجة القضايا الحارقة: الجريمة والعنف، الفقر، التشغيل، التعليم، السكن، التخطيط، البنى التحتية، وتكافؤ الفرص.

المقاطعة شبه الكاملة للأحزاب غير العربية: بين الاعتزاز والقلق

يحمل التراجع الحاد في التصويت العربي للأحزاب غير العربية وجهين متناقضين.

فمن جهة، يمكن تفسيره بوصفه تعبيرًا عن تنامي الثقة بالقدرة السياسية الذاتية، ورفضًا لاستمرار التعامل مع الصوت العربي باعتباره مضمونًا أو هامشيًا أو مجرد احتياطي انتخابي تستدعيه الأحزاب عند الحاجة.

لكن من جهة أخرى، تثير هذه الظاهرة تساؤلات مقلقة بشأن مستقبل الشراكة السياسية اليهودية العربية. فحين تتراجع قدرة الأحزاب غير العربية على استقطاب المواطنين العرب، فإن ذلك قد يشير أيضًا إلى اتساع المسافة السياسية والنفسية بين المجموعتين، وإلى أزمة ثقة في الأحزاب التي يفترض أن تمثل جميع المواطنين.

والسؤال هنا ليس لماذا صوّت العرب للأحزاب العربية، فهذا حق ديمقراطي طبيعي، بل لماذا لم تعد الأحزاب اليهودية قادرة على إقناع قطاعات واسعة من المواطنين العرب بأنها تمثلهم فعلًا؟

إن تعزيز الهوية السياسية العربية لا ينبغي أن يكون نقيضًا للشراكة اليهودية العربية. والتحدي الحقيقي يكمن في بناء شراكة تقوم على الاعتراف المتبادل والمساواة والتأثير المشترك، لا على مطالبة المواطن العربي بالتنازل عن هويته كي يحظى بالقبول السياسي.

من الهوية القومية إلى المواطنة الفاعلة

من الخطأ اختزال هذا السلوك الانتخابي في تعبير قومي أو هوياتي ضيق. فإلى جانب الهوية الجمعية العربية، برز بوضوح بُعد مدني عميق، يتمثل في التمسك بالمواطنة الكاملة، والحق في المساواة، والعيش بكرامة وأمان، والمشاركة في تحديد مستقبل الدولة.

لقد أظهرت هذه الانتخابات، وفق هذه القراءة، أن الهوية العربية والهوية المدنية ليستا بالضرورة في حالة تناقض. بل يمكن أن تتكاملا في مشروع سياسي يطالب بالاعتراف بالخصوصية القومية والثقافية، وبالمساواة الكاملة في الحقوق والفرص والتأثير.

وهنا تكمن إحدى الرسائل المهمة: المجتمع العربي لا يريد الاكتفاء بموقع المتلقي للسياسات الحكومية، أو البقاء أسير المطالب القطاعية، بل يريد أن يكون شريكًا في تحديد هوية الدولة المدنية والديمقراطية، وفي رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

قوة ثالثة في المعادلة السياسية

مع حصول الأحزاب العربية على 19 مقعدًا، وفق النتائج التي تستند إليها هذه القراءة، لم يعد من الممكن التعامل معها بوصفها قوة برلمانية هامشية. فإلى جانب معسكر اليمين ومعسكر المركز واليسار، تتبلور كتلة سياسية عربية ذات وزن مستقل، يمكن وصفها بالقوة الثالثة في المعادلة البرلمانية.

لكن من المهم التمييز بين القوة العددية والقدرة الفعلية على التأثير. فالمقاعد البرلمانية تمنح أدوات للمفاوضة والتشريع والرقابة والمشاركة في اللجان، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى إنجازات.

يمكن لهذه القوة، إذا أحسنت الأحزاب العربية توظيفها، أن تفتح المجال للتأثير في التشريعات والسياسات العامة، وتحصيل ميزانيات، ودفع مشاريع اقتصادية واجتماعية، وحماية البرامج الحكومية المخصصة لتقليص الفجوات، وتعزيز فرص التشغيل والتعليم والتطوير في البلدات العربية.

غير أن هذا يتطلب تنسيقًا سياسيًا، وتحديد أولويات مشتركة، وبناء تحالفات، والانتقال من سياسة رد الفعل إلى المبادرة وصناعة الأجندة.

تراجع معسكر المقاطعة: من الاحتجاج السلبي إلى استعادة الفعل السياسي

ومن أبرز الظواهر التي تستحق التوقف عندها في هذه الانتخابات، التراجع اللافت في حضور معسكر المقاطعة، الذي شكّل في محطات انتخابية سابقة تيارًا مؤثرًا في الخطاب السياسي داخل المجتمع العربي. فقد بدا أن الدعوات إلى الامتناع عن التصويت فقدت الكثير من قدرتها على التأثير، وأن قطاعات واسعة من الجمهور اختارت المشاركة بدلًا من الانكفاء، والتأثير بدلًا من الاكتفاء بالاحتجاج من خارج العملية السياسية.

ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء الأسباب التي غذّت المقاطعة، وفي مقدمتها الإحباط من أداء الأحزاب، وانعدام الثقة بالمؤسسات السياسية، والشعور بمحدودية القدرة على التأثير. لكنه يشير إلى تحوّل مهم في الوعي الجمعي، مفاده أن الاعتراض على الواقع السياسي لا يستوجب بالضرورة الانسحاب من ساحته، وأن المشاركة الانتخابية يمكن أن تكون أداة احتجاج وتغيير في آن واحد.

لقد تراجع خطاب المقاطعة أمام إدراك متزايد بأن ترك صناديق الاقتراع فارغة لا يضعف القوى السياسية القائمة بالضرورة، بل قد يساهم في إضعاف التمثيل العربي وتقليص قدرته على الدفاع عن حقوق المجتمع ومصالحه.

وإذا كان معسكر المقاطعة قد راهن في السابق على العزوف باعتباره تعبيرًا عن رفض الواقع السياسي، فإن هذه الانتخابات تطرح عليه سؤالًا جوهريًا حول جدوى هذا الخيار، في ظل رغبة متنامية لدى المواطنين العرب في الحضور والتأثير.

لكن هذا التحول يضع الأحزاب العربية أيضًا أمام مسؤولية استثنائية: فالجمهور الذي اختار المشاركة بدلًا من المقاطعة ينتظر نتائج ملموسة. وإذا خابت توقعاته، فقد تعود مشاعر الإحباط والعزوف من جديد.

إن تراجع المقاطعة ليس مجرد انتصار لصناديق الاقتراع، بل هو فرصة لاستعادة الثقة بالعمل السياسي، وفرصة لا يجوز للأحزاب العربية أن تبددها.

امتحان معسكر التغيير: هل الشراكة مبدأ أم مجرد شعار؟

ربما تكون الرسالة الأهم لهذه الانتخابات موجهة إلى الأحزاب اليهودية، وبصورة خاصة إلى معسكر التغيير.

فالمعادلة البرلمانية الجديدة تطرح سؤالًا لا يمكن الهروب منه: هل الأحزاب العربية شريك سياسي شرعي في تشكيل الحكومة وصناعة القرار، أم أن شرعيتها تظل محصورة في المشاركة بالانتخابات دون المشاركة الفعلية في السلطة؟

هذا ليس مجرد امتحان حسابي لتشكيل ائتلاف حكومي، بل امتحان سياسي وقيمي يتعلق بمفهوم المواطنة والمساواة وطبيعة الديمقراطية الإسرائيلية.

فالشراكة الحقيقية لا تُقاس فقط بالاستعداد للحصول على دعم الأحزاب العربية في التصويت البرلماني، بل أيضًا بالاستعداد للتفاوض معها على أساس الندية، والاعتراف بشرعية تمثيلها، وإشراكها في بلورة السياسات وتحمل المسؤولية السياسية.

ومن المشروع أن توجد خلافات أيديولوجية وسياسية بين الأحزاب العربية واليهودية، تمامًا كما توجد خلافات عميقة بين الأحزاب اليهودية نفسها. لكن الاختبار هو ما إذا كانت هذه الخلافات تُناقش على أساس المواقف والبرامج، أم تتحول الهوية القومية العربية بحد ذاتها إلى سبب للاستبعاد.

وهنا يبرز سؤال القيادة: هل يمتلك معسكر التغيير قيادة مستعدة لتحمل الثمن السياسي لشراكة حقيقية؟ وهل يستطيع المجتمع اليهودي الانتقال من قبول المواطن العربي بوصفه فردًا يتمتع بحق التصويت، إلى قبول ممثليه بوصفهم شركاء شرعيين في الحكم؟

بين الإنجاز الانتخابي والطعم "الحامض الحلو"

إن الوصول إلى 19 مقعدًا يمثل قوة تمثيلية مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. فالمعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد المقاعد وحده، بل مقدار ما يمكن تحقيقه من تغيير ملموس في حياة المواطنين العرب، وفي مكانتهم داخل الدولة.

إذا تحولت هذه القوة إلى نفوذ سياسي، وإلى سياسات أكثر عدلًا، وميزانيات ومشاريع وفرص اقتصادية واجتماعية، وإلى شراكة سياسية حقيقية، فإن الانتخابات قد تشكل محطة مهمة في تطور المشاركة السياسية للمجتمع العربي.

أما إذا بقيت الأحزاب العربية خارج دوائر التأثير، واكتفت بتسجيل الإنجاز العددي والخطابات الاحتفالية، فسيكون الانتصار بطعم "حامض حلو": حلاوة استعادة الثقة والكرامة والتمثيل، ومرارة العجز عن ترجمة هذه القوة إلى تغيير فعلي.

لقد قال المجتمع العربي كلمته في صناديق الاقتراع. والآن جاء دور الأحزاب العربية لتثبت أنها جديرة بهذه الثقة، ودور الأحزاب اليهودية، ولا سيما معسكر التغيير، لتثبت أن حديثها عن الديمقراطية والمساواة والشراكة ليس مجرد خطاب انتخابي.

فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد فرز الأصوات: هل ستبقى القوة العربية رقمًا في الكنيست، أم تصبح شريكًا في صياغة مستقبل الدولة؟

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]