ماذا أكتب إليك يا ولدي، وقد امتلأ القلب حبًّا، وضاقت الكلمات بما يحمل من مشاعر في هذا اليوم المميّز، يوم تبلغ فيه عامك الأربعين؟

أربعون عامًا من العمر، وأربعون عامًا من التّجارب، وما زال في قلب أبيك من الكلام ما لا تكفيه الكلمات، وما زالت محبّتك في القلب تكبر مع الأيّام، كما لو أنّك ذلك الطفل الّذي احتضنّاه يومًا، وها نحن اليوم نراك رجلًا، وزوجًا، وأبًا، وصاحب أسرة كريمة نفتخر بها ونعتزّ.

ماذا أكتب إليك، ونحن في خضمّ معارك الحياة، نجتهد لنعيش بكرامة، ونحفظ عِزّة نفوسنا، ونمضي في دروبها من دون أن نمدّ أيدينا إلى الناس، متوكّلين على الله تعالى، مؤمنين بأنّ السّعي واجب، وأنّ الرّزق بيده سبحانه، وأنّ الكرامة لا تُقدّر بوفرة ما نملك، بل بعزّة نفوسنا وصدق مواقفنا.

نجتهد في عبادتنا، ونحسن التّوكّل على الله تعالى، ونسعى إلى التّقدّم والتّطوّر، ونحاول أن نواكب الحياة بما فيها من تحوّلات، آملين أن نبلغ أيامًا أكثر سعادةً وطمأنينةً، وأن نترك خلفنا أثرًا طيّبًا، وذكرًا حسنًا، ومحبةً لا تمحوها السّنون في كلّ مكان.

ماذا أكتب إليك، وقد أسّست أسرةً كريمةً، ورزقكَ الله تعالى طفلين هما زينة العمر وفرحة القلب؟ أسأل الله تعالى، أن يحفظهما لك، ويطيل في عمريهما، وينبتهما نباتًا حسنًا، وأن يمدّك أنت وزوجتك الصّادقة الأمينة بالعمر المديد، والصحة والعافية، والمحبّة والوفاق.

ما أوفاك يا ولدي لوالديك وإخوتك! وما أصدق محبّتك، وما أجمل ما نراه فيك من وفاءٍ وتضحيةٍ وحرصٍ على أسرتك وأهلك! كم تضحي من أجلهم، وكم تحمل من المسؤوليات بصمتٍ وصبر، وكم تسعى لتكون لهم السّند والعون والأمان! وكم نحن سعداء بك، يا ولدي! وكم نفخر بك وبأسرتك الكريمة! إنّ سعادة الأب والأم ليست في كثرة ما يملكان، بل في أن يريا أبناءهما رجالًا أصحاب مواقف، أوفياء لأهلهم، أعزّاء في نفوسهم، كرامًا في تعاملهم، ثابتين على مبادئهم.

سرْ كما أنت، يا ولدي، ولا تتغيّر مهما قست عليك الظروف، حافظ على طيبة قلبك، وعلى أصالة معدنك، وعلى وفائك لمن يحبّك ويقف إلى جانبك، لا تسمح لقسوة الأيام أن تنتزع منك إنسانيتك، ولا لصعوبات الحياة أن تطفئ نور قلبك، ولا لتقلّبات الزّمن أن تجعلك تنسى من أنتّ، ومن أين أتيت، وما القيم الّتي نشأت عليها.

سرْ كما أنت، ولا تتغيّر، فالأسد لا يغيّر أصله، ولا يتخلّى عن عزّته، ولا ينحني للشّدائد، وإن اشتدّت عليه العواصف، كن قويًّا من دون قسوة، عزيزًا من دون كبرياء، كريمًا من دون منّة، متواضعًا من دون ضعف، واجعل من أخلاقك عنوانًا لكَ، ومن وفائك شهادةً على أصالتكَ، وسرْ كما أنت، يا بنيّ، متوكّلًا على الله تعالى، مستعينًا به في الشّدائد، شاكرًا له في الرّخاء، فدروب الحياة ليست سهلة، وأصحاب المبادئ قد يواجهون ما لا يفهمه الآخرون، وقد يحملون من الهموم ما لا يبوحون به، لكنّ المؤمن يظلّ متمسّكًا بربّه، مستمدًّا منه الصّبر والقوّة، وموقنًا بأنّ الله تعالى، لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
يا ولدي الغالي، في عيدك الأربعين، لا أتمنّى لك المال وحده، ولا النّجاح وحده، ولا طول العمر وحده، بل أتمنّى لك قلبًا مطمئنًّا، وضميرًا مرتاحًا، وصحّةً تُعينك على الحياة، ورزقًا حلالًا مباركًا، وأسرةً يظلّ الحبّ عامرًا في أرجائها، وأيّامًا تجد فيها ثمرة تعبكَ، وراحة بالكَ، وفرحةُ أبنائك وبناتك.

أسأل الله تعالى أن يفتح أمامك أبواب الخير، وأن يبعد عنك وعن أسرتك كلّ سوء وشر، وأن يحفظك بعينه الّتي لا تنام، وأن يُظِلّك برحمتهِ ولُطْفهِ، وأن يبارك لكَ في زوجتكِ وطفليكِ، ويجمعكم دائمًا على المحبّة والوفاء وراحة البال.

وإن كان لي من وصيّة أخيرة في هذا اليوم، فهي أن تبقى كما عرفناك: أصيلًا في مواقفك، كريمًا في عطائك، وفيًّا لأهلك، قريبًا من ربّك، عزيز النّفس، طيّب القلب، فهذه، يا ولدي، هي الثّروة الّتي لا تفنى، والمكانة الّتي لا تُشترى، والإرث الذي يظلّ حيًّا في قلوب النّاس بعد مرور السّنين والزّمن.

كلّ عام وأنت بخير، يا أدهم، يا ولدي وحبيبي، ويا فرحة أبيك وأمّك.

أطال الله في عمرك، وبارك في أيّامك، وأدام عليك نعمة الصحّة والعافية، وحفظ لك أسرتك، ورزقك من الخير أكثر ممّا تتمنّى، ومن السّعادة أكثر ممّا تتوقّع.

دمتَ لنا فخرًا وسندًا، ودام بيتك عامرًا بالمحبّة، ودامت ضحكتك وابتسامتك، ودامت قلوبنا مطمئنّةً عليك.

والداك المحبّان، الفقراء لله تعالى،

رافع وسعاد حلبي
دالية الكرمل
25.10.2026

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]