البرلمان والحكومة موقعان مختلفان جوهرياً. حين ينتخب الفلسطينيون في الداخل ممثليهم إلى الكنيست، فهم يمارسون حقاً سياسياً لا منّة فيه لأحد. النائب العربي في البرلمان يملك منبراً ليفضح، وأداة ليستجوب ويقترح ويعرقل، ولجاناً يعمل فيها على الميزانيات والتخطيط والمسكن. وهو في كل ذلك يبقى حراً في أن يقول "لا" لأي قانون أو قرار أو حرب.

أما الحكومة فشيء آخر تماماً. الحكومة هي الجهاز التنفيذي الذي يدير الاحتلال العسكري في الضفة، ويقرر الحرب على غزة ولبنان، ويوسّع الاستيطان، ويهدم البيوت في النقب والجليل والمثلث. والانضمام إليها يعني الدخول في منظومة "الالتزام الائتلافي": اتفاق مكتوب يُلزم الشريك بالتصويت مع الحكومة، أو على الأقل بعدم إسقاطها، في القضايا التي تقررها الأغلبية. وهنا تحديداً يتحول النائب العربي من صوت معارض إلى شريك في المسؤولية الجماعية.

يمكن للحزب العربي في المعارضة أن يصوّت ضد قانون عنصري، وأن يرفع صوته ضد قصف غزة، وأن يقف مع أسرى شعبه. أما الشريك في الائتلاف فيجد نفسه في كل أزمة أمام معادلة واحدة: إما أن تصمت أو تصوّت أو تتغيّب، وإما أن "تُسقط الحكومة". وبهذه المعادلة يصبح بقاء الحكومة قيمة عليا تُقدَّم على الحقوق التي دخلها من أجلها.

من نضال ضد بنية عنصرية إلى سوق مقايضة

قام نضالنا السياسي لعقود على فهم واضح: المشكلة ليست في حكومة سيئة هنا أو وزير متطرف هناك، بل في بنية دولة تعرّف نفسها دولةً لليهود، في قوانينها الأساسية وفي ممارساتها اليومية. وقد ثبّت قانون القومية عام 2018 هذا التعريف دستورياً. التمييز في الأرض والمسكن والتخطيط والميزانيات ليس خللاً إدارياً يُعالَج بمفاوضات ائتلافية، بل هو تعبير عن جوهر المنظومة.

نهج "الشراكة والتأثير" يقلب هذه المعادلة. فهو يحوّل الصراع على الحقوق القومية والمدنية إلى سوق: نعطي اعترافاً بيهودية الدولة، وصمتاً عن الحرب، وصوتاً لقانون جائر، ونأخذ مقابله ميزانية للبنى التحتية أو خطة لمكافحة الجريمة.

لكن حتى هذه المقايضة غير مضمونة. فالميزانيات تُقرّ بقرار حكومي وتُجمَّد بقرار حكومي. ورأينا كيف جُمّدت تحويلات للسلطات المحلية العربية حين تبدّلت الحكومة. أما ما يُدفع من الجهة الأخرى، أي الرواية والهوية والكرامة الوطنية، فلا يُسترَد بقرار وزاري. الحقوق التي ينتزعها شعب منظّم بنضاله الشعبي والبرلماني والقانوني أرسخ من المنح التي تُعطى مقابل الولاء الائتلافي.

لسنا "حزباً حريدياً"

يتكرر القول إن علينا أن نتصرف كالأحزاب الدينية اليهودية، التي تدخل كل حكومة وتنتزع ميزانياتها لمدارسها ومؤسساتها دون أن تنشغل بالسياسة العامة. هذه المقارنة مضللة من أساسها.

الأحزاب الحريدية جزء من الشعب الذي قامت الدولة باسمه ولأجله. ليس لديها مشكلة جوهرية مع سياسة الحكومة تجاه الفلسطينيين، لا في الضفة ولا في غزة ولا في الداخل، بل إن بعضها شريك متحمس في الاستيطان. حين يصوّت النائب الحريدي مع ميزانية الجيش أو قرار الحرب، فهو لا يصوّت ضد أهله.

أما نحن فجزء من الشعب الفلسطيني الواقع تحت هذه السياسات. حين يرفع النائب العربي في الائتلاف يده لصالح قانون يمنع لمّ شمل عائلات فلسطينية، أو يصمت عن قرار حرب على غزة، فهو لا يقايض على "قضية عامة" منفصلة عنه. إنه يشارك في قرارات تقع على أهله وأبناء شعبه. الحريدي يقايض على ما لا يعنيه، ونحن نُطالَب بالمقايضة على ما نحن عليه.

إلى أين قاد هذا النهج؟ أمثلة من الواقع

المسار الذي قاد إليه هذا النهج ليس افتراضياً. فهو موثّق بالتصريحات والتصويتات والقرارات، وبالمواقف التي وجد الشريك العربي نفسه فيها عاجزاً، أو مضطراً لتبرير ما لا يُبرَّر.

في التصريحات: إعادة صياغة الهوية لتصبح مقبولة

بدأ الطريق إلى الحكومة قبل دخولها. ففي أيار 2021، والمفاوضات الائتلافية جارية، كانت اللد تشتعل وأهلها يواجهون اعتداءات المستوطنين وعنف الشرطة. في تلك الأيام زار عباس، برفقة رئيس البلدية يائير رفيفو، كنيساً أُحرق خلال الأحداث، وتعهّد بترميمه، فأشاد به رفيفو ووصفه بأنه نموذج قيادي يبعث على التفاؤل. ورفيفو هذا رجل سبق أن احتفى بقدوم المتدينين اليهود الجدد إلى اللد لأنهم "أنقذوها" من أن تصبح مدينة عربية. فجاء الرد من أقرب الناس إليه: استنكرت الموحدة في اللد نفسها الزيارة، ووصفت ما يجري في المدينة بحملة تطهير عرقي، وقال رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية في الطيبة إن هذه الأفعال لا تمثّلهم ولا تنسجم مع ثوابتهم.

وبعد دخول الحكومة تتالت التصريحات. خرج رئيس الموحدة على منصة إسرائيلية ليعلن أن إسرائيل وُلدت دولة يهودية، وأن هذا قرار الشعب اليهودي وهكذا ستبقى. ثم رفض وصف منظمة العفو الدولية لإسرائيل بالأبارتهايد. وحين سُئل في القناة 12 عن قوله السابق إن الأرض احتُلت وطُرد أهلها، أجاب بأنه ما كان ليقول ذلك اليوم ولا يعتقد به. وكان ذلك صادماً حتى لزملائه، إذ اعتبر النائب وليد طه أنه لا يمكن لأحد تغيير الرواية التاريخية الفلسطينية.

حاول عباس لاحقاً تفسير موقفه من يهودية الدولة بأنها أمر واقع مفروض اضطرت الأحزاب العربية لقبوله عملياً وإلا شُطبت. لكن الفرق كبير بين أن تقبل واقعاً مفروضاً وأنت تناضل ضده، وأن تعلنه أمام منتدى رجال الأعمال الإسرائيلي كقناعة تستحق التصفيق.

في التصويتات: حين يصبح بقاء الحكومة أهم من العائلات

في أول اختبار جدي للائتلاف، صوّت لصالح قانون منع لمّ الشمل، وبرّر ذلك بمنع سقوط الحكومة. هذه هي معادلة الالتزام الائتلافي في أوضح صورها: قانون يمزّق عائلات فلسطينية مقابل بقاء الحكومة.

وفي أزمة أنظمة الطوارئ في الضفة، وهي الأنظمة التي تمنح المستوطنين حقوق المواطنين داخل إسرائيل، عبّر عن التزامه بتمريرها وعمل على إقناع نواب حزبه. أي أن حزباً عربياً إسلامياً وجد نفسه يسعى لتمرير قانون يكرّس نظامين قانونيين على الأرض نفسها: قانون مدني للمستوطن وقانون عسكري لجاره الفلسطيني.

النقب: الجرافات تعمل والشريك في الحكومة

في كانون الثاني 2022 اقتحمت جرافات الصندوق القومي اليهودي أراضي عشيرة الأطرش في النقب وجرّفتها ضمن مشروع للتحريش، رغم أن ملكية الأرض تعود تاريخياً للعشيرة. جرى ذلك بقرار حكومة تجلس فيها الموحدة. وكان موقف الحكومة واضحاً، إذ قال وزير الإسكان زئيف إلكين إن التجريف والتحريش سيتواصلان، وإن سلطة الأراضي تحظى بكل الدعم السياسي منه ومن الحكومة. وذهب رئيس الحكومة أبعد من ذلك، حين قال إن إسرائيل لا تقدر على حكم العرب في النقب، مهدداً بإقامة "جدار حديدي" ضدهم.

أوجز أحد وجهاء الأطرش المأزق حين قال لعباس إنه جزء من الائتلاف الحاكم ومن أصحاب القرار، وإن دائرة أراضي إسرائيل تعمل بتوجيهات الحكومة التي تضمه. هذا هو جوهر المسألة: حين تكون في الحكومة لا تستطيع أن تقف مع أهلك ضد الجرافة، لأنك شريك في القرار الذي أرسلها. قاطعت الموحدة التصويت أياماً، ثم عادت إلى الائتلاف، واستمر التجريف.

الأقصى: تجميد في العطلة وعودة بعدها

في نيسان 2022 اقتحمت قوات الاحتلال المسجد الأقصى، وتصاعد الضغط على الموحدة من قواعدها، إذ تعالت أصوات شخصيات بارزة في الحركة الإسلامية الجنوبية وأنصار الموحدة تطالبها بالانسحاب الفوري من الائتلاف. فكان الرد "تعليق العضوية"، وهو قرار ينتهي مع انتهاء عطلة الكنيست، وقالت عنه هيئة البث الإسرائيلية إنه بلا انعكاسات سياسية. بل إن عدة صحف عبرية أكدت أن القرار جرى بالتنسيق مع بينيت ولابيد. ولخّص النائب عوفر كسيف المشهد ساخراً، إذ شبّه تجميد العضوية خلال العطلة "بالإعلان عن اتباع حمية غذائية في رمضان". ثم عادت الموحدة إلى الائتلاف.

في القرارات: الشاباك في بلداتنا

شاركت الموحدة في حكومة قررت إدخال الشاباك إلى بلداتنا بذريعة مكافحة الجريمة، وهو قرار أدانته لجنة المتابعة العليا، مؤكدة أنه لا مكان لهذين الجهازين في بلداتنا. الجهاز الذي يلاحق النشطاء السياسيين ويجنّد العملاء دخل بيوتنا تحت غطاء حكومة شارك فيها حزب عربي. ورغم ذلك لم تتراجع الجريمة، وبقيت أرقام القتلى في مجتمعنا ترتفع.

النمط واحد!

من يتأمل هذه الأمثلة يرى نمطاً يتكرر. تقع الأزمة، فيأتي التهديد بالانسحاب، ثم التجميد المؤقت، ثم التفاهم، ثم العودة إلى الائتلاف، فيما يستمر الهدم والتجريف والاقتحام. الحكومة تبقى، والشريك العربي يبرّر. وفي كل جولة يُطلب منه تنازل جديد في الخطاب أو الموقف أو الرواية، ليحتفظ بمقعد لا يملك منه إلا ما تسمح به الأغلبية.

لم تكن هذه زلات لسان ولا أخطاء فردية، بل النتيجة المنطقية لموقع يفرض على صاحبه أن يكون مقبولاً لدى شريكه أولاً، وأمام شعبه ثانياً.

جُرّب هذا من قبل ولم ينجح، ليس نهجا جديدا

ادعاء "التأثير من الداخل" ليس جديداً. لعقود صوّت عرب للأحزاب الصهيونية، من القوائم التابعة لمباي في الخمسينيات إلى مرشحين عرب في أحزاب اليسار واليمين، بحجة أن الطريق إلى الحقوق يمرّ عبر الأحزاب الحاكمة. فلم تمنع تلك الأصوات مصادرة الأراضي، ولا الحكم العسكري، ولا قوانين التمييز. وظل النائب العربي في الحزب الصهيوني ديكوراً للتعددية، لا شريكاً في القرار.

والتجربة الأقسى هي تجربة الدروز. فُرض عليهم التجنيد الإجباري، وقدّموا أبناءهم في حروب الدولة، وقيل لهم إن "حلف الدم" سيضمن المساواة. ثم جاء قانون القومية ليقول لهم إنهم ليسوا من أصحاب الدولة. فهم، رغم اندماجهم في الخدمة العسكرية، لا يزالون يعانون كسائر الفلسطينيين في كل ما يتعلق بالأرض والمسكن، وتعاني بلداتهم من هدم المنازل بحجة عدم الترخيص. وبلغ الغضب حدّ أن منعوا الوزيرة جيلا جملئيل من دخول مقبرة الجنود الدروز لأنها شاركت في صياغة قانون القومية.

إذا كانت الخدمة العسكرية، وهي أقصى درجات "الاندماج"، لم تشترِ المساواة، فكيف ستشتريها مقاعد في ائتلاف يمكن الاستغناء عنها عند أول أزمة؟

خلاصة

لا أحد يدعو إلى مقاطعة السياسة أو الانسحاب من الكنيست. المطلوب هو التمييز بين أن نكون صوت شعبنا داخل المؤسسة، وأن نصبح جزءاً من المؤسسة التي تقمع شعبنا. الأول نضال بأدوات برلمانية وشعبية وقانونية، يطالب بحل عادل للقضية الفلسطينية ويعالج القضايا اليومية دون أن يتخلى عن الثوابت. والثاني سوق مقايضة، نخسر فيها ما لا يُعوَّض مقابل ما لا يُضمَن.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]