كتبت: — رانية مرجية
هل ستضحك لنا الحياة أخيرًا، أم أننا نحن الذين تعلّمنا، بعد طول معاناة، كيف نبتسم في وجه ما لا يضحك؟
ثمة جملة تبدو، للوهلة الأولى، كأنها مفتاح للنجاة: فكّر بإيجابية، وستصبح حياتك أفضل.
نسمعها في لحظات الانكسار، فتبدو كأنها يدٌ تمتد إلينا. لكنّها، في أحيان أخرى، تصبح طريقة ناعمة لطيّ السؤال الأصعب: لماذا نتألم أصلًا؟
ليست المشكلة في التفكير الإيجابي. الإنسان يحتاج إلى الأمل كي لا تبتلعه العتمة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الأمل إلى مطالبة دائمة للإنسان بأن يتكيّف مع ظروف لم يخترها، بدل أن نسأل: من صنع هذه الظروف؟ ومن يملك القدرة على تغييرها؟
حين تفشل فتاة في تحقيق طموحها لأن عائلتها أقنعتها منذ طفولتها بأن بعض الأحلام “لا تليق بالبنات”، ثم يُقال لها: ثقي بنفسك، فالمشكلة لم تكن في غياب التفكير الإيجابي وحده.
وحين يعمل شاب ساعات طويلة بأجر لا يكفي حاجاته الأساسية، ثم يسمع في كل صباح أن النجاح مجرد “عقلية”، يصبح من المشروع أن نسأل: هل تكفي العقلية حين لا تكفي الأجور؟
وحين يقضي طالب سنواته تحت ضغط المقارنة، يسمع من أسرته أن ابن الجيران أكثر نجاحًا، ويرى على الشاشات أقرانًا يعرضون إنجازاتهم وحياتهم المثالية، ثم يُلام لأنه فقد ثقته بنفسه، فهل كانت المشكلة فعلًا في أفكاره وحدها؟
وحين تعود امرأة إلى بيتها بعد يوم عمل طويل لتجد نفسها مطالبة بأن تكون أمًا مثالية، وشريكة مثالية، وموظفة ناجحة، وأن تبدو سعيدة رغم إنهاكها، ثم تُنصح بأن “تغيّر طاقتها”، أليست المشكلة أحيانًا في حجم ما نطلبه منها، لا في طريقة تفكيرها؟
وحين يُقصى شخص من فرصة عمل بسبب عمره أو شكله أو لهجته أو خلفيته الاجتماعية، ثم يُقال له: لا تفكر بعقلية الضحية، اصنع فرصتك بنفسك، فإن العبارة قد تبدو تحفيزية، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي: ماذا نفعل بالباب الذي أُغلق قبل أن تصل إليه؟
هنا يتحول خطاب الإيجابية، من دون أن نشعر، من مواساة إلى مساءلة معكوسة؛ بدل أن نسأل عن الظروف التي أثقلت الإنسان، نسأله لماذا لم يكن أقوى في مواجهتها.
نحن لا نحتاج إلى أمثلة بعيدة كي نرى ذلك.
يكفي أن ننظر إلى طفلٍ يُعاقب في المدرسة لأنه مختلف، ثم نطلب منه أن يكون واثقًا بنفسه.
أو إلى مراهقٍ يتعرض للسخرية يوميًا بسبب شكله، ثم نقول له إن المشكلة في “نظرته إلى ذاته”.
أو إلى امرأةٍ يُقاس نجاحها بما إذا كانت تزوجت وأنجبت، ثم يُطلب منها أن تتقبل حياتها بابتسامة.
أو إلى رجلٍ تربى على أن البكاء ضعف، ثم نستغرب حين يكبر عاجزًا عن التعبير عن ألمه.
أو إلى شابٍ يحمل شهادة جامعية ولا يجد فرصة عمل، ثم نطالبه بأن “يبدأ من الصفر” وكأن سنوات الدراسة والظروف الاقتصادية لا وجود لها.
في كل هذه الحالات، لا تصبح مسؤولية الإنسان معدومة، لكنها ليست المسؤولية الوحيدة.
وهذا هو الفرق الذي يغيب أحيانًا في خطاب التنمية الذاتية: الفرق بين أن نقول للإنسان لديك قدرة على تغيير جزء من حياتك، وبين أن نقول له أنت المسؤول عن كل ما حدث لك.
الأولى تمنحه قوة.
أما الثانية فقد تمنحه ذنبًا إضافيًا.
وهنا تكمن إحدى أكثر صور القسوة المعاصرة خفاءً: أن نطلب من الجريح أن يستخرج الحكمة من جرحه، قبل أن نسأل من الذي جرحه.
ليس كل ألمٍ درسًا.
وليس كل خسارةٍ فرصة.
وليس كل جرحٍ مشروعًا للنمو.
بعض الجراح كانت ظلمًا، فحسب.
طفلٌ حُرم من الأمان لا يحتاج إلى أن يشكر الجرح لأنه علّمه الصلابة.
وشابةٌ أُغلقت أمامها أبواب بسبب أحكام اجتماعية لا تحتاج إلى أن تعتبر الإقصاء “فرصة لاكتشاف الذات”.
وعاملٌ استُنزف لسنوات في ظروف قاسية لا يحتاج إلى تحويل استغلاله إلى قصة ملهمة كي تصبح معاناته مفهومة.
أحيانًا يكون المطلوب ببساطة أن نعترف بأن ما حدث كان مؤلمًا، وكان يمكن ألّا يحدث.
لذلك علينا أن نعيد التفكير في معنى الإيجابية.
الإيجابية الناضجة ليست أن أقول إن كل شيء بخير بينما أنا لست بخير.
وليست أن أبتسم كي لا أزعج الآخرين بحزني.
وليست أن أبحث قسرًا عن نورٍ في كل عتمة.
قد تكون الإيجابية، في معناها الأكثر صدقًا، أن أمتلك شجاعة تسمية العتمة باسمها:
هذا يؤلمني.
هذا غير عادل.
هذا ليس ذنبي كله.
وهذا، مع ذلك، جزء مما أستطيع تغييره.
فالنضج لا يعني أن نحمل أنفسنا مسؤولية العالم كله، كما لا يعني أن نتخلى عن مسؤوليتنا عن حياتنا.
النضج أن نعرف أين تبدأ مسؤوليتنا، وأين تنتهي، وأين تبدأ مسؤولية الآخرين.
فحين يعاني طالب من التنمر، لا يكفي أن نعلّمه كيف يكون قويًا؛ يجب أن نعلّم من حوله ألا يجعلوا الاختلاف سببًا للإذلال.
وحين تنهك الأم من أعباء لا تنتهي، لا يكفي أن ننصحها بإدارة وقتها؛ ينبغي أن نسأل كيف تتوزع مسؤوليات البيت أصلًا.
وحين يفشل شاب في الحصول على عمل، لا يكفي أن نكرر عليه شعارات النجاح؛ ينبغي أن نعترف أيضًا بأن الفرص ليست موزعة بالتساوي بين الجميع.
وحين يعيش شخص تحت ضغط اجتماعي دائم، فإن مطالبته بأن “يتجاهل كلام الناس” لا تعفي المجتمع من مراجعة المعايير التي يصنعها ثم يعاقب المختلفين عنها.
هناك أشياء لا تحتاج إلى نصيحة عن التفاؤل.
تحتاج إلى عدالة.
وهناك أشخاص لا يحتاجون إلى محاضرة جديدة عن الصبر؛ يحتاجون إلى أن يتوقف الآخرون عن إيذائهم.
وهناك من لا يحتاج إلى أن يسمع: ستصبح أقوى.
بل يحتاج، ولو مرة واحدة، إلى أن يسمع:
لم يكن ينبغي لك أن تتحمل كل هذا وحدك.
لعل الحياة لا تصبح أجمل حين ننجح في إقناع أنفسنا بأن كل ما يحدث لنا خير.
لعلها تصبح أصدق حين نتوقف عن تجميل ما يؤلمنا كي يبدو مقبولًا.
فالسلام الداخلي ليس قبولًا بكل شيء، والتسامح ليس تبرئةً لمن ظلمونا، والقوة ليست صمتًا، والأمل ليس إلغاءً للغضب.
أحيانًا يكون الغضب دليلًا على أن شيئًا في داخلنا ما زال يعرف الفرق بين ما يحدث وما ينبغي أن يحدث.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل الإنسان دائمًا: كيف ستتجاوز هذا؟
قبل ذلك، علينا أن نسأل:
هل كان ينبغي أن يحدث لك أصلًا؟
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون سعيدًا كي يستحق الحياة.
ولا أن يكون قويًا كي يستحق الرحمة.
ولا أن يحوّل مأساته إلى حكمة كي تصبح معاناته جديرة بالاعتراف.
بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يتعلموا كيف يعيشون مع الألم؛ يحتاجون إلى أن يتوقف الألم.
وربما هنا تبدأ الإيجابية الحقيقية:
لا حين نقنع المقهور بأن كل شيء بخير،
بل حين نملك الشجاعة الكافية لنسأل:
لماذا لم يكن بخير أصلًا؟
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا، بعد كل ما قيل لنا عن القوة والصبر والتفاؤل، ليس:
كيف أصبحت أقوى؟
بل:
لماذا اضطررتُ أصلًا إلى أن أصبح قويًا إلى هذا الحد؟
[email protected]
أضف تعليق