تصادف اليوم الذكرى السادسة والعشرون لهبّة أكتوبر، هبّة القدس والأقصى، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ شعبنا الفلسطيني، وفي تاريخ فلسطينيي الداخل وعلاقتهم بالمؤسسة الإسرائيلية. وحينما نستذكر هذه الهبّة، تحضر أمامنا أسماء الشهداء الثلاثة عشر وصورهم، وتحضر صورة الطفل محمد الدرة في غزة. ستة وعشرون عامًا مرّت، وما زالت الأسئلة التي تركتها تلك الأيام قائمة: مَن يحمي حياة الإنسان الفلسطيني؟ ومَن يحاسب مَن يقتله؟ وأيّ معنى للمواطنة حين يخرج المواطن محتجًا، فيعود إلى أهله شهيدًا؟

نستذكر محمد جبارين، وأحمد صيام جبارين، ورامي غرة، وإياد لوابنة، وعلاء نصار، وأسيل عاصلة، وعماد غنايم، ووليد أبو صالح، ومصلح أبو جراد، ورامز بشناق، ومحمد خمايسي، وعمر عكاوي، ووسام يزبك. ونستذكر الجرحى والمعتقلين، والعائلات التي تغيّرت حياتها منذ تلك الأيام، وبقيت تنتظر عدالة لم تتحقق.

لم تنتهِ القضية عند إطلاق الرصاص. جاءت التحقيقات واللجان، وصدرت استنتاجات لجنة أور، ثم أُغلقت ملفات التحقيق من دون تقديم المسؤولين عن قتل الشبان إلى المحاكمة. وهذا جزء من الجرح نفسه، لأن غياب المحاسبة لا يمسّ حق العائلات وحدها، بل يمسّ شعور مجتمع كامل بقيمة حياته أمام الدولة وأجهزتها.

وحين كتبنا عن الذكرى العشرين في عام 2020، لم نكن نعرف حجم المآسي التي ستحملها السنوات التالية. تأتي الذكرى اليوم بعد حرب غزة، وما خلّفته من قتل ودمار ونزوح، ومن عائلات فقدت أبناءها وبيوتها ومصادر رزقها. صارت صورة محمد الدرة، التي ارتبطت في ذاكرتنا ببداية الانتفاضة الثانية، تستحضر معها صور أطفال آخرين، حُرموا من أهلهم ومدارسهم ومن أبسط شروط الحياة.

وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، لم تنتهِ معاناة أهل غزة. يوثّق تقرير الأمم المتحدة الصادر في أيلول 2026 استمرار سقوط الضحايا، ونقص الأدوية، وصعوبات الحصول على الماء والمأوى، وبقاء أعداد من الأطفال خارج التعليم. لذلك لا يمكن اختصار ما جرى في اتفاق أو إعلان، فيما الناس ما زالوا ينتظرون بيتًا يأويهم وعلاجًا ينقذ حياتهم.

وفي الضفة الغربية، يواجه الفلسطيني اعتداءات المستوطنين على بيته وأرضه ومصدر رزقه. حرق واقتلاع أشجار، وتخريب شبكات مياه، واعتداءات على المنازل والمركبات. وقد وثّقت الأمم المتحدة 51 اعتداءً استيطانيًا أوقع إصابات أو أضرارًا بالممتلكات، أو كليهما، خلال أسبوع واحد من أيلول الماضي. هذه الاعتداءات تجعل البقاء في بعض التجمعات صراعًا يوميًا على شروط الحياة نفسها.

ولا تنفصل هذه الوقائع عن سياسة حكومة اليمين التي دفعت باتجاه توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية. ففي نهاية أيلول، هاجم أكثر من مئة مستوطن قرية جالود، ومنعوا عائلة فلسطينية من العودة إلى منزليها، رغم مرافقة قوات إسرائيلية لها. أدان نتنياهو الاعتداء، لكن السؤال يبقى عن المحاسبة وعن السياسات التي تسمح بتكرار الاعتداءات، وعن معنى الإدانة حين يعجز أصحاب البيت عن العودة إليه.

أما في الداخل، فإننا نستقبل ذكرى الشهداء فيما الجريمة تواصل قتل أبنائنا وبناتنا. لم يعد الأمر خبرًا نقرؤه ثم ننتقل إلى غيره. هناك عائلات تعيش تحت التهديد، وأصحاب مصالح يواجهون الابتزاز والخاوة، وأطفال يعرفون صوت إطلاق النار قبل أن يعرفوا معنى الأمان.  

والحديث عن الجريمة المنظمة يفرض علينا أن نسمّي المسؤوليات. المجرم مسؤول عن جريمته، ومَن يحميه أو يبرّر له يتحمل مسؤوليته. وفي الوقت نفسه، تتحمل الدولة وأجهزة إنفاذ القانون مسؤولية حماية المواطنين، وجمع السلاح غير المرخّص، وملاحقة شبكات الجريمة وتمويلها. لا يجوز تحويل تقاعس المؤسسة إلى ذريعة للمجرمين، ولا يجوز استخدام وجود مجرمين عرب لإعفاء المؤسسة من واجباتها.

من هنا يمكن فهم تآكل الثقة بالمؤسسة الإسرائيلية. فالمواطن الذي يفقد قريبًا، وينتظر كشف القاتل، ثم يرى الجريمة تتكرر حوله، لن يستعيد ثقته ببيان أو وعد. وفي استطلاع نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في تشرين الثاني 2025، عبّر 19% فقط من المستطلَعين العرب عن ثقة مرتفعة بالشرطة، فيما قال 40% إنهم لا يثقون بها إطلاقًا. هذه الأرقام تكشف حجم الفجوة بين المؤسسة والناس الذين يفترض أن تحميهم.


هذا ما يعيد هبّة أكتوبر إلى حاضرنا. نستذكرها لأن السؤال عن الرصاص والمحاسبة لم ينتهِ، ولأن حماية الحياة يجب أن تكون أساس العلاقة بين المواطن والمؤسسة. نريد شرطة تواجه المجرمين وتحمي الناس، وتخضع للمساءلة حين تعتدي عليهم. ونريد أن يتمكن الإنسان من الاحتجاج والتعبير عن موقفه، ومن المطالبة بحماية عائلته، من دون أن يخاف على حياته.

وفي هذا الواقع، تأتي انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول 2026، لتفتح احتمال تغيير تركيبة الحكومة وموازين القوى السياسية. وقد يؤثر حجم التمثيل البرلماني للأحزاب التي يصوّت لها المواطنون العرب في حسابات تشكيل الائتلاف المقبل. لكن تغيير الحكومة اليمينية يبقى احتمالًا يرتبط بمجمل النتائج والتحالفات، وليس نتيجة مضمونة سلفًا. كما أن تبدّل الحكومة، إن حصل، لا يعني تلقائيًا تبدّل السياسات تجاه الفلسطينيين أو معالجة الجريمة والتمييز.

وسيكون معيار أي تغيير في السياسات والنتائج: حماية حياة الناس، ومحاسبة المعتدين، ومواجهة الجريمة المنظمة، وضمان المساواة وحرية التعبير، ووقف الاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني. هذه قضايا تستحق أن تبقى موضع مساءلة قبل الانتخابات وبعدها، وألّا تختفي مع انتهاء الحملات وإعلان النتائج.

بعد ستة وعشرين عامًا، لا نريد لهبّة أكتوبر أن تصبح مناسبة نكرّر فيها الأسماء ثم نعود إلى الاعتياد على القتل. الوفاء للشهداء يقتضي حفظ ذاكرتهم، ومواصلة المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قتلهم، والدفاع عن حياة مَن بقي. فلا يصبح ضحايا الجريمة أرقامًا، ولا يصبح إطلاق النار أمرًا نعتاد عليه، ولا تتحول معاناة أهلنا في غزة والضفة إلى أخبار نفقد القدرة على التأثر بها.

نستذكر شهداءنا لأننا لم ننسَ، ونطالب بالعدالة لأن مرور السنوات لا يلغي الحق، ونتمسك بحقنا في الحياة والأمان والكرامة لأن هذا الحق لا يقبل التأجيل.

المجد للشهداء.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]