بقلم:
الحاج قاسم عوض، والد المرحوم الدكتور عبد الله عوض، الذي قُتل بتاريخ 03.02.2025.
جمانة خلايلة حاج علي، شقيقة المرحوم جميل خلايلة، الذي قُتل بتاريخ 23.01.2025.


أحيانًا، تكفي رنّة هاتف واحدة لتتغيّر حياتك كلّها. تسمع أنّ شخصًا تحبّه خرج صباحًا إلى عمله ولم يعد إلى البيت. هكذا جمعنا القدر في أقسى الظروف. كان أحبّاؤنا أبرياء. خرجوا من بيوتهم، فأنهت الجريمة حياتهم. ومنذ ذلك اليوم، ما عاد هناك يوم عادي. هناك كرسيّ فارغ، وأطفال وأهل يواصلون طرح أسئلة لا نجد لها جوابًا. هناك ليالٍ بلا نوم، واشتياق ووجع لا ينتهيان. هذا حزننا الذي نعيشه كلّ يوم، حزننا الخاص.
إلى جانب هذا الحزن، هناك غضب كبير. غضب مئات العائلات التي تخلّت عنها الدولة، والتي يزداد عددها كلّ يوم. جميل كان يملك كراجًا في عكّا. كان الجميع يعرفه، ويعرف طيبته. كان يقضي يومًا عاديًّا في الكراج، حين قتلوه بسبب ما يسمّونه "خطأ في تشخيص الهوية"، في المكان الذي أحبّه كثيرًا. ترك خلفه زوجة وثلاثة أطفال. وكذلك الدكتور عبد الله، الذي كان يعمل طبيب عائلة في مستشفى نهاريا. وصل ذات صباح إلى عيادته في كفر ياسيف ليحلّ مكان طبيب آخر. كان في العيادة في اللحظة الخطأ، فقُتل وترك خلفه زوجة وطفلين. هاتان ليستا مجرّد قضيتَي قتل أخريين، وعبد الله وجميل ليسا رقمين في حصيلة ضحايا الجريمة في المجتمع العربي. هما إنسانان تركتهما الدولة في أيدي منظمات إجرام وحشية، بلا أيّ حماية، ومن دون محاولة حقيقية لمنع مقتلهما.
في أفضل الأحوال، نسمع وعودًا من سياسيين يقولون إنّهم سيعالجون الجريمة في المجتمع العربي. وفي أسوأها، نلقى تجاهلًا، وأحيانًا حتى نصف ابتسامة ممّن يفترض أن يتحمّلوا المسؤولية ويعملوا على إيجاد حلّ. وفي غضون ذلك، تواصل العائلات دفن أبنائها، ويواصل الأهالي الصراخ، ويصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية في بلداتنا العربية.
بعد مقتل أحبّائنا، رفضنا أن نقبل الجريمة قدرًا علينا أن نتعايش معه. اجتمعنا مع عائلات أخرى، وبمساعدة حركة "نقف معًا"، أسّسنا منتدى عائلات ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي. أسّسناه لنواجه هذا الواقع، ولنرفض السكوت عنه. لم نعد مستعدّين للاستسلام للخوف والرعب اللذين تفرضهما منظمات الإجرام في شوارعنا. مكافحة الجريمة مسؤولية الدولة ومؤسساتها.
كثيرًا ما يوجّهون أصابع الاتّهام إلى المجتمع العربي ويسألوننا: "وإنتو، شو بتعملوا عشان توقفوا اللي بصير؟". نعم، نحن نعمل. منذ قرابة عامين، نخرج إلى المظاهرات ونكتب العرائض. وصلنا حتى إلى بيت رئيس الدولة لنطالب بحمايتنا. ومرّة بعد مرّة، نجري مقابلات إعلامية، ونضطرّ إلى رواية أصعب لحظات حياتنا. نفعل كلّ ذلك حتى يتغيّر شيء، وحتى نستطيع أن نعيش بأمان. لكنّ كلّ هذا لا يكفي، ولا ينجح في إحداث التغيير الذي نحتاج إليه.
قد تكون الانتخابات المقبلة فرصتنا لتغيير هذا الواقع. للمجتمع العربي قوّة انتخابية كبيرة تستطيع التأثير في شكل الحكومة المقبلة. نعرف حجم خيبة الأمل من المنظومة السياسية في مجتمعنا. ونعرف معنى أن تشعر بأنّه لم يعد هناك من تصدّقه، وأنّ شيئًا لن يتغيّر. وبعد كلّ ما مررنا به، يصعب علينا أن نطالب الناس بالثقة بهذه المنظومة.
لكنّنا، من هذا الوجع بالذات، نقول: لا يجوز أن نترك اليأس يشلّنا. إذا أردنا تغيير الواقع، علينا أن نصوّت. أن نصوّت لمن يضع المجتمع العربي في مقدّمة أولوياته، ولمن يقدّم حلولًا للوضع المرعب الذي وصلنا إليه. نعرف جميعًا أنّنا بحاجة إلى تغيير، وإلى إصلاح جذري في أداء مؤسسات الدولة.
إذا تخلّينا عن أصواتنا في هذه الانتخابات أيضًا، بعدما وصلت أعداد ضحايا القتل إلى مستويات لا يمكن استيعابها، فمن سنلوم؟ يجب أن نحاسب هذه الحكومة على الحال التي أوصلت إليها شوارعنا. وحتى لا تتلقّى عائلات أخرى مكالمات مثل تلك التي تلقّيناها، اخرجوا وصوّتوا. اسألوا السياسيين، وطالبوهم بإجابات. هكذا فقط نستطيع أن نعيش هنا. وهكذا فقط نغيّر واقعنا. علينا أن نمنع جريمة القتل القادمة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]