بقلم: د. غزال أبو ريا.--مدير المركز القطري للوساطة.
هناك أخطار تأتي من الخارج، وهناك أخطار أخطر منها قد تنشأ من داخل المجتمع نفسه. ومن بين أخطر هذه الظواهر الهدم الذاتي؛ عندما تتحول الخلافات الطبيعية بين الناس إلى صراعات، وعندما تتحول المنافسة إلى إقصاء، والاختلاف في الرأي إلى عداوة.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس فقط: ما الذي يحدث لمجتمعنا؟ بل أيضًا: ماذا نفعل نحن حتى لا نساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعافه؟
مجتمع قوي أم مجتمع هش؟
———————————-
قوة المجتمع لا تقاس فقط بعدد مؤسساته أو بحجمه الاقتصادي، وإنما بقدرته على مواجهة الأزمات والخلافات دون أن يتفكك.
المجتمع القوي هو الذي يستطيع أفراده أن يختلفوا، وأن يجلسوا إلى طاولة واحدة، وأن يبحثوا عن حلول تحفظ كرامة الجميع.
أما المجتمع الهش، فهو الذي تتحول فيه الخلافات الصغيرة إلى أزمات كبيرة، وتصبح العلاقات الشخصية والعائلية والمؤسساتية ساحات للصراع، ويصبح من السهل نشر الشائعات والتشهير وفقدان الثقة.
وهنا يبدأ الهدم الذاتي.
عندما يصبح الآخر خصمًا دائمًا
من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب المجتمع أن ننظر إلى الآخر باعتباره خصمًا دائمًا.
نختلف معه، فنرفضه.
ينتقدنا، فنهاجمه.
يختلف معنا، فنشكك في نواياه.
وهكذا يصبح الحوار ضعيفًا، وتكبر المسافات بين الناس.
لكن علينا أن نتعلم من جديد أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن وجود رأي آخر لا يشكل تهديدًا لنا.
الثقة هي رأس المال الاجتماعي.
———————————
لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم من دون ثقة.
الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبين المدرسة والأهل، وبين الجيران، وبين مختلف المكونات الاجتماعية.
وحين تنهار الثقة، يصبح التعاون صعبًا، وتصبح كل مبادرة موضع شك، ويبدأ كل طرف بالعمل منفردًا.
لذلك فإن إعادة بناء الثقة يجب أن تكون مشروعًا مجتمعيًا حقيقيًا.
من العقوبة إلى الوقاية.
———————————
نحن بحاجة إلى معالجة المشكلات قبل أن تصل إلى مرحلة الانفجار.
وهنا تأتي أهمية ثقافة الصلح،الوساطة المجتمعية والمؤسساتية.
الوساطة تمنح الأطراف فرصة للتحدث والاستماع وفهم احتياجات بعضها البعض، والوصول إلى حلول تحفظ العلاقات وتمنع التصعيد.
ومن هنا يجب ألا تكون الوساطة مجرد أداة نستخدمها بعد وقوع المشكلة، بل ثقافة نزرعها قبل حدوثها.
العائلة والمدرسة نقطة البداية.
——————————
إذا أردنا مجتمعًا متماسكًا فعلينا أن نبدأ من المدرسة الاولى العائلة ومن مدارسنا ومؤسساتنا.
نعلّم الطالب كيف يستمع، وكيف يختلف، وكيف يدير غضبه، وكيف يعتذر، وكيف يتفاوض، وكيف يساعد زميله على حل المشكلة.
وفي الوقت نفسه، يحتاج المعلمون والمربون والأهل إلى المشاركة في هذه العملية.
إن إنشاء مراكز للوساطة المدرسية يمكن أن يكون خطوة عملية نحو بناء جيل جديد يمتلك أدوات الحوار وحل النزاعات.
طلاب اليوم هم قادة الغد.
———————————-
لا يمكن بناء مجتمع متماسك من دون الشباب
الشباب ليسوا فقط مستقبل المجتمع؛ إنهم جزء أساسي من حاضره.
علينا أن نمنحهم الثقة والمسؤولية، وأن نفتح أمامهم المجال للمشاركة في المبادرات المجتمعية، والعمل التطوعي، والرياضة، والثقافة، والقيادة.
عندما يشعر الشاب أن له دورًا حقيقيًا في مجتمعه، يصبح أكثر ارتباطًا به وأكثر حرصًا على مستقبله.
نحتاج إلى مشروع مجتمعي
المطلوب ليس مبادرة موسمية أو لقاءً واحدًا.
نحتاج إلى مشروع مجتمعي طويل الأمد تشارك فيه السلطات المحلية، المدارس، العائلات، الجمعيات، الأندية الرياضية، المؤسسات الدينية، رجال الأعمال، الشباب والنساء.
مشروع يقوم على أربعة أعمدة:
الثقة – الحوار – الوساطة – المشاركة.
ومن الممكن أن يتوج هذا المشروع بـ ميثاق شرف مجتمعي، يلتزم فيه أبناء المجتمع بنبذ العنف، واحترام الآخر، ورفض التشهير والتحريض، واللجوء إلى الحوار والوساطة لحل الخلافات.
لسنا مجتمعًا بلا خلافات… ولكن
لن نستطيع إلغاء الخلاف من حياتنا، ولا ينبغي أن نفعل ذلك.
الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة عندما نديره بطريقة صحيحة.
المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في كيف نختلف.
هل نختلف ونحافظ على العلاقة؟
هل نختلف ونستمع؟
هل نختلف ونبحث عن حل؟
أم نختلف ونبدأ رحلة الهدم؟
كلمة أخيرة
أمامنا مسؤولية كبيرة.
إما أن نستمر في استنزاف طاقاتنا في الصراعات، وإما أن نعيد توجيهها نحو البناء.
إما أن نترك الخلافات تكبر، وإما أن نمتلك الشجاعة للتدخل مبكرًا.
إما أن نربي أبناءنا على منطق «أنا أولًا»، وإما أن نعلمهم معنى «نحن».
إن المجتمع المتماسك لا يبنى بقرار واحد، ولا بخطاب واحد، وإنما بآلاف السلوكيات الصغيرة التي نمارسها كل يوم.
فلنختلف دون أن نتخاصم، ولنتحاور قبل أن نتواجه، ولنتوسط قبل أن تتسع الفجوة، ولنبنِ بدل أن نهدم.
فالمجتمع الذي يحمي نفسه من الهدم الذاتي، ويستثمر في الحوار والوساطة والثقة، هو مجتمع يستطيع أن يصنع مستقبله.
والسؤال ليس: من المسؤول عن بناء المجتمع؟
السؤال الحقيقي: ماذا سأفعل أنا اليوم حتى أكون جزءًا من بنائه؟
[email protected]
أضف تعليق