بقلم: عماد ابو يونس
الحيوان يهجم عليك من الأمام. لا يزورك في بيتك ليطمئنك. لا يدعوك إلى القاعة. لا يصفق لك بحرارة، ثم يطعنك عندما تدير ظهرك.
الإنسان وحده يستطيع فعل ذلك.
وهنا تبدأ «حيونة الإنسان» التي كتب عنها ممدوح عدوان: حين يفقد الإنسان حسه بالآخر، ويتحول الإذلال إلى إجراء، والقسوة إلى قرار تنظيمي، والغدر إلى تصويت ديمقراطي.
البداية: تحويل الإنسان إلى ملف
فاز جعفر فرح بالمكان الثاني في الجبهة والرابع في المشتركة. لم يصل من الشارع؛ انتخبته مؤسسات الحزب.
ثم ظهرت ادعاءات بحقه.
ادعاءات، وليست تهمًا. لا شرطة حققت، ولا محكمة نظرت، ولا جهة مستقلة ومخولة أصدرت حكمًا.
ممدوح عدوان يشرح أن أول خطوات الحيونة هي انتزاع الإنسان من قصته وتحويله إلى «حالة». وهكذا اختُصر جعفر فرح، بتاريخه ونضاله وعائلته، في كلمة واحدة تتكرر إلى جانب اسمه.
لم يعد في أعين كثيرين قائدًا جماهيريًا. أصبح ملفًا مطلوبًا التخلص منه.
ثم بدأ الترويض
تشكّل فريق اعترف بأنه ليس لجنة تحقيق، ولا يملك صلاحية إثبات الادعاءات أو نفيها. ومع ذلك، انتهى المسار إلى أقسى عقوبة سياسية: إخراج الرجل الذي انتخبته مؤسسات حزبه.
في «حيونة الإنسان»، لا يبدأ كسر الإنسان بالضربة. يبدأ بإشعاره بأن مصيره لم يعد في يده؛ بأن آخرين يتحدثون عنه، ويقررون عنه، ويرسمون نهايته، بينما يُطلب منه أن يبقى هادئًا ومنضبطًا.
وهذا ما حدث.
ذهبوا إلى بيت جعفر قبل اجتماع العوادية في شفاعمرو. طمأنوه ووعدوه بأنه سيستمر مرشحًا. ثم حضر الاجتماع، ووقف يخطب في الجماهير عن الوحدة والمسؤولية وغزة، فصفقوا له تصفيقًا حارًا.
لكنهم كانوا قد استعدوا منذ الليلة السابقة للتصويت على عزله.
كان جعفر يتحدث إليهم بوصفهم رفاق عمر.
وكان بعضهم ينتظر انتهاء الخطاب ليبدأ التصويت.
هذا هو الإذلال
لم تكن القسوة في التصويت وحده.
القسوة كانت في الطمأنة التي سبقته، وفي التصفيق الذي غطاه، وفي ترك الرجل يقف أمام الناس معتقدًا أنه يتحدث بين رفاقه، بينما كان قرار كسره ينتظر خلف الستار.
ممدوح عدوان يصف كيف يُروّض الإنسان حتى يشارك في المشهد الذي يسلبه كرامته. يُطلب منه أن يحضر، وأن يتكلم، وأن يحافظ على الوحدة، ثم تتحول كلماته وحرصه على حزبه إلى ديكور جميل لعملية عزله.
دخل جعفر القاعة قائدًا منتخبًا.
خطب فصفقوا له.
ثم خرج منها رجلًا جريحًا.
لكن جعفر ليس اسمًا منفردًا
له زوجة وأبناء وبنات. له أخوات وبنات عم وبنات خال وخالة. وراء وجهه بيوت كاملة تلقت الضربة معه.
وهو ابن الطائفة المسيحية الفلسطينية؛ الطائفة التي كان أبناؤها هم قياده الفلسطينيه ضد الاستعمار البريطاني، وفي الصحافة والثقافة والحركة الوطنية الفلسطينية.
وجعفر نفسه ليس مرشحًا عابرًا. إنه أحد القادة الجماهيريين الذين تركوا أثرًا في قضايا الطلاب والعمال والمرضى والمسنين، وفي الدفاع عن الناس في أصعب لحظاتهم.
لكن الحيونة، كما يقدمها عدوان، تبدأ عندما نتوقف عن رؤية كل ذلك، ونرى أمامنا مجرد هدف يجب إسقاطه.
انظروا إلى وجهه اليوم
من عرف جعفر قبل هذه العملية، ثم شاهده أخيرًا في القنوات، يستطيع أن يرى ما فعلته به.
وجه نحيل ومتعب. سواد واضح حول العينين. صوت يحمل إرهاقًا ثقيلًا. رجل ذكي وصلب وصاحب تجربة طويلة، لكنه يبدو وكأنه خرج من معركة دارت داخل روحه.
ومع ذلك، ما زال يقول إنه ابن الحزب، وإنه لن يتخلى عن الحزب ولا عن الجبهة.
هذه أكثر صور الاغتيال النفسي قسوة: أن يتعلق الإنسان بالبيت نفسه الذي كسره، وأن يحاول حماية الجماعة التي لم تحمه.
وفي الجهة المقابلة، كان هناك من احتفل بعزله. فُتحت قناني العرق والويسكي، وأُشعلت النار لشواء اللحم، وكأنهم يحتفلون بانتصار على عدو، لا بسقوط رفيق عاش بينهم عشرات السنين.
عند هذه اللحظة تكتمل الحيونة: إنسان يعود إلى بيته محطمًا، وآخرون يرفعون الكؤوس احتفالًا.
السؤال ليس: لماذا صوّتوا ضده؟
السؤال هو: لماذا احتاجوا قبل ذلك إلى طمأنته، واستدعائه، والتصفيق له، ثم كسره أمام شعب كامل؟
لماذا لم يقولوا له الحقيقة في بيته؟
لماذا لم تُفحص الادعاءات أمام جهة مستقلة؟
ولماذا نُفذت العقوبة كاملة بينما بقيت الحقيقة بلا حسم؟
لم يعزلوا جعفر فرح فقط.
عرضوا أمامنا كيف يمكن تحويل قائد جماهيري إلى إنسان منهك، وكيف يتحول الرفاق إلى متفرجين، وكيف يصبح التصفيق مقدمة للذبح السياسي.
وهذا هو أخطر ما حذّر منه ممدوح عدوان:
ليست الوحشية أن يهاجمك وحش.
الوحشية أن يفعل بك الإنسان كل ذلك، ثم يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه لم يفعل سوى تنفيذ قرار تنظيمي.
عماد أبو يونس
باحث في شؤون الشرق الأوسط
[email protected]
أضف تعليق