تُوصَف مرحلة المراهقة في الأدبيات التربوية والنفسية بأنها المأمن الطبيعي للاكتشاف والتجربة بلا أعباء ثقيلة. غير أن الواقع لدى قطاع واسع من الشباب العرب يكشف عن وجه آخر أكثر قسوة وإلهامًا في آن واحد؛ حيث يتحول المراهق بضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو بفعل التحولات العائلية القاسية إلى العمود الفقري لبيته، أو إلى الممول الوحيد لأحلامه الأكاديمية قبل أن يستكمل سنوات نضجه المفترضة. في هذا الفضاء الفاصل بين الطفولة والرشد، يجد الشاب نفسه مضطرًا للقيام بدور الأب، أو السند، أو الراعي، متجاوزًا مرحلة صياغة الذات المريحة إلى مرحلة خوض معارك البقاء وإثبات الوجود.
تُسلط السلسلة الوثائقية الجديدة «مسار»، التي تنطلق في عرضها مساء اليوم الاثنين على قناة مكان، الضوء على هذا العالم الخفي من خلال متابعة ستة مراهقين يمرون بأكثر الفترات حسمًا وتوترًا في حياتهم، وهي مرحلة العبور إلى عالم الكبار واتخاذ القرارات المصيرية. وفي تقصي حكايات ثلاثة من مشاركي السلسلة – عدن، وزياد، ومحمد – تتكشف معالم تجربة إنسانية عميقة تتجاوز الحدود الفردية لتصبح مرآة لتحديات جيل كامل يقف عند أعتاب التعليم الأكاديمي والتحول المستقبلي في ظروف استثنائية.
في قريتها مزرعة، تخوض عدن سعد الدين صراعًا صامتًا ومزدوجًا. فقدت عدن والدها قبل عقد من الزمن، ثم لحقت به والدتها قبل عامين، لتجد نفسها يتيمة تُصارع الفقد والانكسار في سن مبكرة. وعلى الرغم من الاحتضان والمأوى الآمن الذي وفرته لها عائلة عمها، إلا أن عدن وجدت نفسها أمام تحدٍ نفسي عميق يتمثل في المزج بين الامتنان الصادق لمن احتضنوها وبين الإصرار على استقلالية قرارها الأكاديمي والشخصي.
وعقبت عدن على تجربة الفقد والتأقلم مع حياتها الجديدة قائلة: "الفقدان لم يكسرني، بل أعاد تشكيلي من الصفر. عندما تدرك في سن مبكرة أن السند قد يختفي فجأة، تكتشف أن عليك أن تكون سندك الوحيد. أصبحت أرى الحياة كساحة اختبار حقيقية، وأنني لست مجرد ضحية لظروفي، بل الناجية التي ترفض الاستسلام".
وعن النضج المبكر وتحمل المسؤولية في سنوات دراستها، أضافت عدن: "كان علي أن أستوعب معنى 'النهاية' وأنا ما زلت في بداية طريقي. في سنوات الثانوية، كان علي أن أكون الطالبة التي تقاتل لتبني مستقبلها، والابنة التي تشاهد والدتها تتلاشى أمام عينيها بصمت. تعلمت كيف أخفي دموعي، وكيف أكون صلبة حين ينهار كل شيء من حولي، وكيف أتحمل مسؤولية نفسي وكأنني مسؤولة عن جيش بأكمله".
وحول التوازن بين الامتنان لعائلتها واستقلاليتها، أوضحت عدن: "أنا أحمل في قلبي امتنانًا بحجم السماء لمن انتشلوني من حزني، وأحاول دائمًا أن أثبت لهم أن حبي وتقديري لهم أبدي، لكن طريقي ومستقبلي يجب أن أختارهما بنفسي. التوازن الحقيقي يكمن في أن أقول لهم 'شكرًا' من خلال نجاحي في بناء الحياة التي تشبهني أنا".
واختتمت عدن تعقيبها بتوجيه رسالة إلى المجتمع والبالغين قائلة: "أتمنى أن يدركوا أن الاستقلالية ليست إعلانًا للحرب ولا تمردًا على سلطتهم. نحن نحتاج أن نخطئ لنتعلم، وأن نسقط لنعرف كيف ننهض بقوة. امنحونا الثقة لنختبر الحياة، وكونوا شبكة الأمان التي نعود إليها، وليس القفص الذي يمنعنا من التحليق".
أما في صحراء النقب، وفي قرية كسيفة التي تفتقر لأبسط المقومات والبنى التحتية، فيسطر زياد الددا تجربة مختلفة من العصامية القاسية. يسير زياد يوميًا لمسافة نصف ساعة للوصول إلى مدرسته، محاولًا توفير المال اللازم لتأمين دراسته الجامعية المستقبلية وتحقيق حلمه بالالتحاق بالتعليم العالي. تجلت هذه التضحية عندما اتخذ قرارًا مؤلمًا ببيع حصانه الذي كان قد حصل عليه كهدية وتعلق به لسنوات، وذلك لتوفير السيولة المالية والأولوية لبناء مستقبله.
وعقب زياد على قرار بيع حصانه والاعتماد على الذات قائلاً: "أخي أحضر لي حصانًا كهدية وكنت أحبه ومتعلقًا به وعشت معه سنوات، لذلك كان صعبًا عليّ جدًا أن أبيعه، لكن كانت لدي أولوية وهي مسؤولية مستقبلي، وإن شاء الله سأشتري خيلاً في المستقبل. عندما تستطيع تمويل نفسك بنفسك، فهذا يعني أنك شخص قوي ومستقل ولا تعتمد على أحد، وهذه علامة جميلة أحب أن أكون عليها. عندما أشتري شيئًا من مالي الخاص، أكون مبسوطًا به أكثر".
وعن رؤيته للتحديات والمسؤولية تجاه مجتمعه، أضاف زياد موضحًا: "لم أقل في أي لحظة إن هذا الحلم أكبر مني، لأنني أعرف أنه لا يوجد شيء لا نستطيع تحقيقه، وأي شخص لديه هدف يستطيع الوصول إليه. كل القصة تتعلق بمدى استعدادك للتضحية والاستمرار. حدود الإنسان هي القمر ونستطيع الوصول لما نُريده إذا لم نقصر. لأسف مجتمعنا يمر حاليًا بظرفين صعبين وهما الجريمة وهدم البيوت، وأتمنى في يوم من الأيام أن أكون قد ساهمت بشيء لصالح مجتمعي، فنجاحي في التعليم أصبح مسؤولية بالنسبة لي أكثر من كونه مجرد حلم شخصي".
ومن النقب إلى سخنين، تتبدى حكاية محمد طربيه الذي يبلغ من العمر تسعة عشرعامًا، ويمثل نموذجًا صارخًا للجملة الصحفية المكثفة: مراهق اضطر لأن يكون أبًا قبل أن يصبح بالغًا. بعد انفصال والديه، وجد محمد نفسه يتحمل مسؤولية إدارة المنزل بالكامل من طبخ وتنظيف ورعاية شؤون أخواته لضمان عدم تفكك الأسرة، محاولًا أن يكون الجسر بين حافتين تنهاران. وفي الوقت نفسه، كان يمارس شغفه الأكاديمي الصارم؛ إذ تخرج من الثانوية بمعدل بجروت عالي، وأنهى عشرة كورسات جامعية بامتياز في برنامج أوديسيا للموهوبين بجامعة التخنيون، إلى جانب عزفه على البيانو وكتابته للشعر والابتكار.
وعقب محمد على تجربة تحمل المسؤولية في سن صغيرة وكيف شكلت شخصيته قائلاً: "هذه المسؤوليات هي التي وصلت بي إلى هذا المكان، وهذه التحديات هي التي تعبر عن حقيقتي. صعبٌ أن أفترض عدم حدوثها، لكن أستطيع أن أجزم أن لها أثرًا كبيرًا في وصولي لما أنا عليه، لأن كل نقص أراه في حياتي يرفعني إلى وجود وقمم أجمل. فأن كنت ذلك الجسر بين حافتين تنهاران".
وعن النظرة المجتمعية لأدوار الشاب في إدارة المنزل والأعمال المنزلية، أردف محمد قائلاً: "كنت أرى دائمًا أن الشخص يجب أن يهتم بأعمال البيت ونظافته وأكله واحتياجاته سواء كان شابًا أو صبية، لكن كلما كنت أحكي للناس عما أفعله كانوا يستغربون وينصدمون، خصوصًا كيف ينشغل شاب بمثل هذه الأمور. مجتمعنا لديه صور نمطية كبيرة عن فكرة أن الفتاة يجب أن تنظف والشاب يرتاح ويتلقى طعامه، وهذا الشيء أراه تقليلًا من إنسانيتنا تجاه بعضنا البعض بغض النظر عن جنسنا".
وحول فلسفته في اتخاذ القرارات المصيرية بين العقل والعاطفة، صرّح محمد قائلاً: "أحب أن يفهم الناس كم كنت إنسانًا صادقًا وحقيقيًا، وأني لم أستسلم أبدًا، ودائمًا فعلت ما اتفق عليه قلبي وعقلي بناءً على من أكون. كثير من الناس يسألون: هل تمشي وراء قلبك أم وراء عقلك؟ وأرى أنه سؤال غير منطقي، لأنك بحاجة للمزج بين الاثنين وبين هويتك كي تتخذ القرار المناسب".
وعن مشروعه الاجتماعي المبتكر للتآزر العاطفي، أضاف محمد: "ولدت فكرة مشروعي 'أنا بهمني' لأنه يتحدث مع كل مراهق يمر بوحدة عاطفية ولا يجد شخصًا يتحدث معه أو يشعر بأنه بجانبه ويهتم به بسباطة. والجملة الواصفة للمشروع هي: 'أنا أريد أن أكون الشخص الذي احتجت إليه يوماً ما'".
إن التجارب التي يعرضها برنامج «مسار» تعكس في جوهرها حزمة من التحديات الشاملة التي تواجه المراهقين العرب في البلاد، ولا سيما خلال مرحلة الانتقال الحساسة إلى ما قبل التعليم الجامعي. وتتنوع هذه التحديات بين الأعباء الاقتصادية الضخمة التي تجبر الطلاب على خوض سوق العمل المبكر وتأمين أقساطهم بأيديهم، وبين الفجوات اللغوية والأكاديمية والتكيّف مع البيئات التعليمية الجديدة. أضف إلى ذلك الضغوط النفسية المتمثلة في التجاذب بين الطموح الفردي المستقل وبين الحفاظ على التماسك العائلي والواجبات الأسرية، وهي كلفة نفسية باهظة يدفعها الشاب من رصيد طفولته ومراهقته.
في النهاية، يقدم وثائقي «مسار» شهادة بصرية وصحفية حية عن مراهقين لم يختاروا البلوغ المبكر، ولكنهم عندما فرضت عليهم المسؤولية، قادوها بشجاعة واستقلالية، ليثبتوا أن النضج ليس مجرد رقم في صحيفة القيد، بل هو قدرة على تحويل الألم والنقص إلى نقطة انطلاق لبناء المستقبل.
[email protected]
أضف تعليق