د. نائلة (نهيلة) جريس حداد

حين نسمع عن جريمة، أو نشاهد تنمرًا، أو نقرأ تشهيرًا بشخص على مواقع التواصل، يكون رد فعلنا الأول غالبًا البحث عن المخطئ: من فعل ذلك؟ ومن المسؤول؟

لكن هناك سؤالًا أعمق يستحق أن نتوقف عنده: من أين تعلّم الإنسان هذا السلوك؟

فالإنسان لا يتعلم من الكتب والمدرسة وحدهما، ولا تتشكل شخصيته فقط بما يُقال له بصورة مباشرة. هناك تعليم آخر يحدث بصمت؛ في البيت، وفي المدرسة، وفي مكان العمل، وفي الشارع، وفي الإعلام، وعلى منصات التواصل الاجتماعي. تعليم لا يحمل عنوانًا ولا منهجًا مكتوبًا، لكنه قد يكون شديد التأثير في تشكيل السلوك.

إنه المنهج الخفي.

نقول للطفل: احترم الآخرين، لكنه قد يرى الكبير يهين من هو أضعف منه. نقول للطالب: لا تتنمر، ثم يشاهد السخرية من الآخرين تتحول إلى مادة للضحك والتداول. نتحدث عن العدالة والمساواة، ثم يرى الإنسان أن المعاملة قد تتغير باختلاف المنصب أو النفوذ أو المظهر.

فماذا سيتعلم الإنسان في النهاية: ما سمعه منا، أم ما رآنا نفعله؟

هذه المسألة لا تبدأ في المدرسة ولا تنتهي عندها. فالأسرة تعلم، والمدرسة تعلم، والمؤسسة تعلم، والمسؤول يعلم بسلوكه، والإعلام يعلم، والمجتمع يعلم، وحتى صمتنا أمام بعض التصرفات قد يحمل رسالة غير مباشرة بأن ما يحدث أصبح مقبولًا.

ويظهر ذلك أيضًا في السلم الوظيفي. فإذا اعتاد المسؤول مخاطبة من هم أدنى منه وظيفيًا بالإهانة أو التقليل من شأنهم، ثم انتقل الأسلوب نفسه من المدير إلى الموظف، أو من المدير إلى المعلم، فقد تمتد أنماط التعامل عبر المستويات المختلفة. لا أحد أعطى درسًا بعنوان «كيف تؤذي الآخر»، لكن السلوك نفسه أصبح درسًا يُشاهد ويُعاد إنتاجه.

وهنا تكمن خطورة المنهج الخفي: نحن نعلّم أحيانًا دون أن ندرك أننا نعلّم.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي، لم يعد هذا التعليم محصورًا في الأسرة والمدرسة والمجتمع القريب. الهاتف الذي نحمله يضع أمام الإنسان عالمًا كاملًا من الرسائل والصور والتعليقات والمقاطع. وقد يشاهد الطفل أو الشاب يوميًا السخرية والتشهير والإقصاء والعنف اللفظي، ويرى أحيانًا أن المحتوى الأكثر إثارة يحظى بالانتشار والتفاعل.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ما الرسائل الخفية التي نقدمها للأجيال الجديدة وسط هذا التدفق الهائل من المحتوى؟

كما أن علينا ألا نختزل الإنسان في مظهره الخارجي. فاللباس أو المظهر أو المكانة الاجتماعية لا تكشف وحدها حقيقة الإنسان. المعيار الأهم هو السلوك: كيف يعامل المختلف؟ كيف يتصرف عندما يمتلك سلطة؟ وكيف يعامل شخصًا لا ينتظر منه منفعة؟

لذلك، عندما يظهر التنمر أو التشهير أو العنف، لا يكفي أن نبحث عن شخص نضع عليه كامل المسؤولية ثم نغلق الملف. المسؤولية عن الفعل تقع على فاعله، لكن فهم أسباب انتشار السلوك يتطلب النظر إلى البيئة التي يتشكل داخلها أيضًا.

علينا أن نسأل أنفسنا، كلٌّ من موقعه: ماذا نقدم؟

ماذا نقدم في الأسرة؟ ماذا نقدم في المدرسة؟ ماذا يقدم المسؤول في المؤسسة؟ ماذا يقدم الإعلام؟ وماذا نقدم نحن عندما نكتب تعليقًا، أو ننشر مقطعًا، أو نسخر من إنسان، أو نصمت أمام إهانته؟

فالإنسان يتأثر بالمجتمع، ثم يعود بسلوكه ليؤثر في المجتمع من جديد. وهكذا تدور الدائرة: من الفرد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الفرد.

ربما حان الوقت، بدل أن يبقى إصبع الاتهام موجهًا دائمًا نحو الآخرين، أن نضع أمام أنفسنا مرآة للمراجعة.

ونسأل سؤالًا بسيطًا لكنه صعب:

ماذا يتعلم الآخرون من أفعالنا، لا من أقوالنا؟

لأننا، في نهاية الأمر، لا نكتب المنهج الخفي بالحبر…

نحن نكتبه بسلوكنا كل يوم.


 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]