هناك أماكن لا تغيّر العالم فقط، بل تغيّر الإنسان نفسه. بالنسبة لي، كانت جمعية "سلامتكم" واحدة من هذه الأماكن. عندما بدأت التطوع لمساعدة المرضى، كنت أظن أننا نقدم لهم الدعم، لكنني اكتشفت مع مرور الوقت أنهم هم من يمنحوننا دروسًا لا يمكن لأي جامعة أو كتاب أن يعلمنا إياها.
في كل يوم أرى الحياة من زاوية مختلفة. أصبحت أؤمن أن ما نشغل أنفسنا به من خلافات وهموم وضغوط يفقد الكثير من قيمته عندما نقف أمام طفل يصارع المرض، أو أم تنتظر خبرًا قد يغيّر حياة عائلتها، أو مريض لا يتمنى من الدنيا سوى يوم آخر مع أحبائه.
في "سلامتكم" تعلمت أن الحياة قد تجمع بين الفرح والحزن في ساعة واحدة فقط.
اتصلت بنا هذا الاسبوع العاملة الاجتماعية في أحد المشافي، وطلبت مساعدتنا في تحقيق أمنية طفل يقيم هناك منذ ثلاث سنوات. كان عيد ميلاده، وكل ما كان يحلم به هو لعبة على شكل طائرة. خلال دقائق فقط، تحرك المتطوعون، واشتروا الهدية، ووصلت إليه. رأينا الابتسامة التي ارتسمت على وجهه، وشعرنا أن هدية صغيرة استطاعت أن تصنع يومًا كاملًا من الفرح لطفل أنهكه المرض.
وفي اليوم نفسه، وصلنا طلب آخر. طفلة مريضة بالسرطان كانت تحلم بالحصول على جهاز لابتوب. لم يكن طلبها رفاهية، بل نافذة صغيرة على العالم، ووسيلة لتنسى بعضًا من ألمها. مرة أخرى، استجاب المتطوعون بسرعة، ووفرنا الجهاز وأرسلناه مع أحدهم إلى المستشفى في اليوم التالي.
لكن عند وصول المتطوعين وصلنا الخبر الذي كسر قلوبنا جميعًا... الطفلة رحلت قبل أن تتمكن من استخدامه. انتصر المرض، وخسرت الحياة طفلة كانت كل أحلامها لا تتجاوز جهازًا صغيرًا يمنحها بعض السعادة.
في تلك اللحظة أدركت أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي نصنع فيها الخير. وأن تأجيل كلمة طيبة، أو مساعدة، أو زيارة، أو حضن، قد يعني أننا أضعنا فرصة لن تعود أبدًا.
هذه التجارب تجعلنا في "سلامتكم" العودة إلى بيوتنا كل يوم ونحن أكثر امتنانًا لما نملك، وأكثر قناعة بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا المناصب، بل الأثر الذي يزرعه في قلوب الآخرين.
في "سلامتكم" لا ننقذ المرضى دائمًا، فذلك بيد الله وحده، لكننا نحاول أن ننقذ الأمل، وأن نمنح المرضى وأسرهم شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الألم.
ولهذا، كلما سألني أحدهم ماذا تعلمت من "سلامتكم"، أجيب: تعلمت أن الحياة أقصر من أن نضيعها في الكراهية والخصومات، وأن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يكون سببًا في ابتسامة... حتى لو كانت ابتسامة أخيرة.
[email protected]
أضف تعليق