بقلم: د. مور موشكوفيتس، مديرة خدمة أورام الصدر في مركز دافيدوف لعلاج وأبحاث السرطان، مستشفى بيلينسون

يشكّل سرطان الرئة صغير الخلايا (SCLC) نحو 15% من حالات سرطان الرئة، إلا أنه يُعد من أكثر أنواع السرطان عدوانية وصعوبة في العلاج. يتميز هذا المرض بسرعة نموه، وميله إلى الانتشار المبكر إلى أعضاء بعيدة في الجسم، إضافة إلى انخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة مقارنة بأنواع أخرى من سرطان الرئة.

ورغم التقدم الكبير الذي شهدته علاجات الأورام خلال السنوات الأخيرة، بقيت الخيارات العلاجية المتاحة لمرضى هذا النوع من السرطان محدودة للغاية بعد عودة المرض أو تقدمه. إلا أن معطيات جديدة عُرضت خلال مؤتمر ASCO، أكبر وأهم مؤتمر عالمي في مجال الأورام، تشير إلى تحول مهم بفضل العلاج الجديد "إمديلترا" (Imdelltra).

 مرض عدواني وخيارات علاج محدودة

يُعتبر سرطان الرئة صغير الخلايا من أكثر أنواع سرطان الرئة شراسة. ففي كثير من الحالات يُشخّص المرض في مراحل متقدمة، بعد أن يكون قد انتشر إلى أعضاء أخرى، بما في ذلك الدماغ. وحتى عندما يستجيب المريض بشكل جيد للعلاج الأولي، فإن المرض يعود لدى معظم المرضى خلال فترة قصيرة نسبيًا.

ولسنوات طويلة، اقتصرت خيارات العلاج بعد تقدم المرض على علاجات محدودة، بينما ظل العلاج الكيميائي المدمج مع العلاج المناعي من نوع مثبطات نقاط التفتيش المناعية هو الخيار القياسي في الخط العلاجي الأول. وكانت النتائج غالبًا محدودة الأمد، ما عزز الحاجة إلى علاجات أكثر فاعلية.

  علاج جديد يفعّل جهاز المناعة بطريقة مختلفة

يقدم "إمديلترا" نهجًا علاجيًا جديدًا. فبينما تُستخدم العلاجات المناعية التقليدية في سرطان الرئة منذ أكثر من عقد، بقي تأثيرها محدودًا نسبيًا لدى مرضى سرطان الرئة صغير الخلايا.

ويعمل العلاج الجديد بآلية مختلفة تسمح لجهاز المناعة بالتعرف على الخلايا السرطانية واستهدافها بشكل مباشر ودقيق.

وفي دراسة DeLLphi-304، تمت مقارنة "إمديلترا" بالعلاج المتبع حاليًا لدى مرضى تقدّم لديهم المرض بعد تلقي علاج كيميائي قائم على البلاتين، مع أو بدون علاج مناعي. وأظهرت النتائج تحسنًا لافتًا، حيث أدى العلاج إلى زيادة متوسط البقاء على قيد الحياة بنحو خمسة أشهر ونصف، مع خفض خطر الوفاة بنسبة 40%.

ويُعد هذا الإنجاز ذا أهمية خاصة في مجال لم يشهد تقدمًا يُذكر في نتائج الخط العلاجي الثاني على مدار سنوات طويلة، بل إنه من أكثر النتائج إثارة للإعجاب التي سُجلت في هذا المرض خلال السنوات الأخيرة.

  بشرى مهمة لمرضى النقائل الدماغية

من أبرز التحديات في سرطان الرئة صغير الخلايا ميل المرض المرتفع للانتشار إلى الدماغ. وتؤثر هذه النقائل بشكل كبير على الأداء الوظيفي وجودة الحياة وفرص النجاة، فيما كانت الخيارات العلاجية المتاحة لهؤلاء المرضى محدودة إلى حد كبير وتقتصر غالبًا على العلاج الإشعاعي.

وخلال مؤتمر ASCO الذي عُقد في شهر حزيران الماضي، عُرض تحليل إضافي للدراسة نفسها لفحص تأثير العلاج لدى المرضى الذين يعانون من نقائل دماغية.

وجاءت النتائج مشجعة للغاية، إذ خفّض "إمديلترا" خطر تقدم المرض داخل الدماغ بنحو 60% مقارنة بالعلاج الكيميائي، كما خفّض خطر الوفاة بنسبة 49%.

وأظهرت النتائج أيضًا اختفاءً كاملًا للأورام الدماغية لدى 15% من المرضى الذين تلقوا العلاج الجديد، مقارنة بـ5% فقط لدى المرضى الذين تلقوا العلاج الكيميائي. كما سُجل تقلص يزيد على 30% في حجم الأورام الدماغية لدى أكثر من نصف المرضى الذين عولجوا بالعقار.

ومن أكثر النتائج لفتًا للانتباه، ارتفاع متوسط البقاء على قيد الحياة لدى المرضى الذين يعانون من نقائل دماغية إلى 13.9 شهرًا، مقارنة بـ6.8 أشهر فقط لدى المرضى الذين عولجوا بالعلاج الكيميائي.

 ليس فقط حياة أطول... بل حياة أفضل أيضًا

قد يبدو تحسن متوسط البقاء على قيد الحياة بخمسة أو سبعة أشهر رقمًا متواضعًا للوهلة الأولى، إلا أن أهميته الحقيقية تتجاوز مجرد إطالة العمر.

فبالمقارنة مع العلاج الكيميائي، يرتبط "إمديلترا" بنسبة أقل من الآثار الجانبية الخطيرة، كما أن السيطرة الأفضل على المرض، وخاصة على النقائل الدماغية، تساعد المرضى على الحفاظ لفترة أطول على استقلاليتهم وقدرتهم الوظيفية وجودة حياتهم.

وبالنسبة لكثير من المرضى، فإن هذه الأشهر الإضافية تعني وقتًا ثمينًا يمكن قضاؤه مع العائلة، أو الاستمرار في العمل، أو السفر، أو الحفاظ على نمط حياة طبيعي قدر الإمكان.

 بداية حقبة جديدة؟

تنضم هذه النتائج إلى سلسلة من التطورات المشجعة في مجال علاج سرطان الرئة صغير الخلايا. فبعد سنوات طويلة من الجمود النسبي وغياب الاختراقات العلاجية المهمة، بدأت تظهر علاجات جديدة قادرة على تغيير مسار المرض ومنح المرضى خيارات لم تكن متاحة في السابق.

وبالنسبة لمرضى سرطان الرئة صغير الخلايا وعائلاتهم، فإن هذه النتائج لا تمثل مجرد أرقام علمية جديدة، بل تحمل أملاً حقيقيًا بإمكانية تحسين فرص البقاء على قيد الحياة، ورفع جودة الحياة، وتوسيع الخيارات العلاجية المتاحة.

وبعد عقود من التقدم المحدود في هذا المجال، يبدو أن ملامح تغيير حقيقي بدأت تلوح في الأفق.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]