يكشف تقرير استراتيجي جديد صادر عن المنتدى الأكاديمي لتعزيز الصحة في المجتمع العربي أن ضعف تمثيل العرب في مراكز اتخاذ القرار داخل جهاز الصحة لا يشكل فقط خللاً تمثيلياً أو إدارياً، بل يحمل ثمناً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً، يقدره التقرير بنحو 11.7 مليار شيكل سنوياً، أي ما يعادل 32 مليون شيكل يومياً.

ويعرض التقرير صورة مركبة ومفارقة في آن واحد: العرب يشكلون نحو 21% من السكان في إسرائيل، ويساهمون بنسبة عالية في القوة العاملة الطبية، إذ تصل نسبتهم إلى 47% من الأطباء الجدد. ومع ذلك، لا يتجاوز متوسط تمثيلهم في اللجان المركزية التي ترسم سياسات جهاز الصحة 5.1% فقط. هذا الفارق بين الحضور المهني الواسع وبين الغياب عن مراكز التخطيط والقرار هو المحور الأساسي الذي يبني عليه التقرير تحليله.

معطيات عن الأطباء العرب 

بحسب المعطيات الواردة في التقرير، يظهر العرب بتمثيل مرتفع أو ملحوظ في عدد من المهن الصحية. فهم يشكلون 25% من الأطباء، و27% من الممرضات والممرضين، و49% من الصيادلة، و27% من أطباء الأسنان. لكن الصورة تتغير sharply عند الانتقال إلى مواقع الإدارة والتأثير. فنسبة العرب بين المديرين الكبار لا تتجاوز 3%، وبين مديري الأقسام 6% فقط. ويخلص التقرير من هذه الفجوة إلى أن جهاز الصحة يستفيد من العاملين العرب في مستوى تقديم الخدمة، لكنه لا يمنحهم وزناً متناسباً في تحديد السياسات التي توجه الجهاز.

وتتضح الفجوة بصورة أكبر عند فحص اللجان المركزية. فقد شمل البحث 99 عضواً في لجان صحية مؤثرة، ووجد أن عدد الأعضاء العرب بينهم لا يتجاوز خمسة. وفي لجان مركزية مثل الطاقم الوطني لتأهيل القوى العاملة الطبية، والمجلس الوطني للصحة الرقمية، ولجنة العنف في جهاز الصحة، ولجنة منع التدخين، لم يسجل أي تمثيل عربي. ويشير التقرير إلى أن هذه اللجان تؤثر في ميزانيات وسياسات بمليارات الشواقل، لكنها تعمل عملياً من دون مشاركة كافية لمجموعة سكانية تشكل خمس السكان، وتمثل نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الصحي.

يربط التقرير بين هذا الغياب وبين إخفاقات تخطيطية أوسع. فحين لا تكون احتياجات المجتمع العربي حاضرة في غرف القرار، تنتج سياسات أقل ملاءمة من حيث اللغة، والثقافة، والجغرافيا، والوصول إلى الخدمات. ويورد التقرير معطى بارزاً حول زمن الوصول إلى غرف الطوارئ: متوسط زمن الوصول من البلدات العربية يصل إلى 45 دقيقة، مقابل 18 دقيقة من البلدات اليهودية. هذا الفارق، بحسب التقرير، ليس تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر على خلل عميق في التخطيط الإقليمي وفي توزيع الخدمات الصحية.

خريجو خارج البلاد 

ويخصص التقرير مساحة واسعة لتأثير “إصلاح يتسيف”، الذي يهدف إلى تشديد معايير الاعتراف بكليات الطب في الخارج. وبحسب التقرير، فإن 72% من الأطباء الجدد في إسرائيل هم من خريجي الخارج، بينما يشكل العرب 12% فقط من خريجي كليات الطب داخل البلاد. ويضيف التقرير أن 90% من خريجي المؤسسات التي ستتضرر من الإصلاح هم عرب، ما يعني أن المجتمع العربي سيكون المتضرر الأكبر من هذه السياسة. ويقدر التقرير أن الإصلاح قد يؤدي إلى تراجع عدد الأطباء العرب الجدد بنحو 400 طبيب سنوياً ابتداءً من عام 2025.

ويرى معدو التقرير أن هذا التراجع ستكون له كلفة مباشرة وغير مباشرة. فالعائلات العربية تستثمر مبالغ كبيرة في تعليم أبنائها الطب في الخارج، ويقدر التقرير تكلفة تأهيل الطبيب في الخارج بنحو 400 ألف شيكل. وإذا خسر الجهاز الصحي 400 طبيب عربي سنوياً، فإن الحديث يدور عن فقدان استثمار سنوي بقيمة 160 مليون شيكل، إضافة إلى خسارة مستقبلية أكبر تتعلق بالإنتاجية الطبية والاقتصادية لهؤلاء الأطباء خلال سنوات عملهم.

ولا يقف التقرير عند الأبعاد الاقتصادية. فهو يربط بين ضعف التمثيل وبين استمرار الفجوات الصحية بين العرب واليهود. فبحسب المعطيات الواردة فيه، يبلغ متوسط العمر المتوقع للرجال العرب 76.6 عاماً، مقابل 80.7 عاماً لدى الرجال اليهود. وبين النساء، يبلغ متوسط العمر المتوقع 80.1 عاماً لدى العربيات، مقابل 84.2 عاماً لدى اليهوديات. كما أن معدل وفيات الرضع في المجتمع العربي يبلغ 6.4 لكل ألف ولادة، مقابل 2.9 في المجتمع اليهودي. هذه الفجوات، وفق التقرير، تعكس تراكم عوامل بنيوية تشمل الوصول المحدود إلى الخدمات، ضعف التخطيط، نقص الملاءمة الثقافية، وغياب المشاركة في صنع القرار.

ويطرح التقرير ما يسميه “الفرصة التاريخية” القائمة حالياً. فقد وضع جهاز الصحة هدفاً لزيادة عدد طلاب الطب من 1,286 طالباً في عام 2024 إلى 1,700 طالب في عام 2027، أي إضافة 414 مقعداً تعليمياً. ويرى التقرير أن هذه الزيادة يمكن أن تتحول إلى أداة تصحيح حقيقية إذا خُصص جزء كبير منها للطلاب العرب، وبشكل خاص للنساء العربيات والطلاب من البلدات العربية في الأطراف.

النساء اكثر تقدمًا 

ويستند التقرير في هذا السياق إلى معطيات تشير إلى تحولات تعليمية واسعة داخل المجتمع العربي، خصوصاً بين النساء. فهو يذكر أن 71% من النساء العربيات يدرسن في اللقب الثاني، وأن 70% من الطالبات العربيات يتعلمن العلوم في المرحلة الثانوية. ويرى أن هذا المخزون البشري لم يستثمر بعد بما يكفي في جهاز الصحة، وأن تحويله إلى قوة طبية منظمة يمكن أن يقلص النقص في الأطباء، ويعزز الخدمات في البلدات العربية، ويرفع جودة الجهاز الصحي كله.

وفي مستوى السياسات، يقترح التقرير خطة عمل تبدأ بتصحيح فوري لتركيبة اللجان الصحية. ويطالب بتعيين ممثلين عرب في اللجان المركزية خلال فترة قصيرة، ونشر تركيبة هذه اللجان بشفافية، ووضع أهداف تمثيل واضحة، وإنشاء آلية متابعة ورقابة. كما يدعو إلى الاعتراف بالمنتدى الأكاديمي لتعزيز الصحة في المجتمع العربي كجسم استشاري دائم في قضايا التخطيط الصحي المتعلقة بالمجتمع العربي.

ويقترح التقرير أيضاً استثماراً بقيمة 300 مليون شيكل خلال خمس سنوات في برامج موجهة لتوسيع دخول الطلاب العرب إلى كليات الطب، ودعم النساء العربيات في المسارات الطبية، وتطوير مراكز صحية في البلدات العربية، وتحسين خدمات الطب عن بعد، وتأهيل طواقم طبية ناطقة بالعربية. وبحسب الحسابات التي يعرضها التقرير، يمكن لهذا الاستثمار أن يحقق عائداً اقتصادياً يتراوح بين 600% و800% خلال عشر سنوات، من خلال تقليص الهدر، وتحسين النتائج الصحية، وزيادة عدد الأطباء العرب خريجي كليات الطب داخل البلاد.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]