يكشف بحث أعده مركز أكورد بالتعاون مع "فايك ريبورتر" أن الخطاب المتداول في الشبكات الاجتماعية حول المجتمع العربي في النقب يتسم بغلبة واضحة للتمثيلات السلبية، ويربط بشكل متكرر بين العرب وبين الجريمة، غياب الحوكمة، فقدان السيادة والتهديد الأمني.
ويظهر البحث أن أكثر من نصف الإشارات إلى المجتمع العربي البدوي في المنصات التي جرى تحليلها كانت سلبية. ووفق النتائج، بلغت نسبة الخطاب السلبي 56%، مقابل 27% من الخطاب المحايد و17% من الخطاب الإيجابي. غير أن البحث يشير إلى أن جزءًا من الخطاب المصنف محايدًا، خصوصًا في قنوات تليغرام ذات الطابع الإخباري، يعيد عمليًا إنتاج صورة سلبية لأنه يركز على الجريمة والأحداث الأمنية بوصفها الإطار شبه الوحيد لحضور العرب البدو في النقب.
العينة
واعتمد البحث على تحليل كمي ونوعي لمضامين منشورة في أربع منصات مركزية: X، فيسبوك، تليغرام وتيك توك. وجُمعت في المرحلة الأولى 1,100 مادة، شملت منشورات وتعليقات، ثم جرى تحليل عينة ممثلة ضمت 300 مادة من X، و300 من فيسبوك، و300 من تليغرام، و200 من تيك توك. وامتدت فترة البحث الأساسية من كانون الثاني حتى آذار 2025.
وتشير النتائج إلى أن الخطاب لا يكتفي بعرض أحداث سلبية أو حوادث جنائية منفصلة، بل يربطها بصورة متكررة بجماعة كاملة. وبحسب البحث، يجري تصوير العرب البدو في النقب في كثير من المنشورات كـ"مجرمين" أو كـ"تهديد أمني"، فيما تُستخدم كلمة "بدوي" في بعض الحالات كلقب ازدرائي أو كإشارة سلبية بذاتها.
ويحدد البحث محورين أساسيين في الخطاب: العنصرية بنسبة 34%، والحوكمة بنسبة 26.5%. ويظهر محور العنصرية من خلال التعميم، نزع الإنسانية، استخدام ألفاظ تحقيرية، وتقديم البدو كأعداء أو كمصدر خطر بطبيعتهم. أما محور الحوكمة فيظهر من خلال الحديث المتكرر عن فقدان الدولة السيطرة في النقب، البناء غير المرخص، الجريمة، والشعور بانهيار السيادة.
ويحذر البحث من أن هذا الخطاب ينتج ما تسميه "تهديدًا مزدوجًا": تهديدًا واقعيًا للأمن الشخصي من جهة، وتهديدًا رمزيًا لهوية الدولة وسيادتها من جهة أخرى. وبهذا، لا تُعرض الأحداث بوصفها مشكلات مدنية أو اجتماعية تحتاج إلى معالجة، بل تتحول إلى دليل على خطر جماعي دائم.
منصة اكس
وتبرز منصة X بوصفها الساحة الأوضح لتضخيم هذا الخطاب. فقد رصد البحث 11,600 إشارة مرتبطة بالموضوع على المنصة، مع تعرض تراكمي يقارب 10 ملايين مشاهدة. ووجد أن سبع حسابات مركزية فقط، بينها "رغافيم"، "توراة القتال"، "الصوت اليهودي"، إلعاد هومينر وأييلت لاش، أنتجت 2% فقط من المحتوى، لكنها كانت مسؤولة عن 18% من حجم التعرض، أي نحو 1.87 مليون مشاهدة.
ويرى البحث أن هذه الفجوة بين حجم المحتوى وحجم التأثير تخلق انطباعًا مضللًا بأن المواقف المتشددة تجاه العرب البدو تمثل موقفًا عامًا واسعًا. وتسمي الوثيقة هذه الظاهرة "إجماعًا زائفًا"، إذ تنجح أقلية رقمية صاخبة في تكثيف حضورها عبر التكرار، التفاعل، وتبادل نشر المضامين المتشابهة، فتظهر كأنها تعبر عن رأي الأغلبية.
ويؤدي هذا النمط، بحسب البحث، إلى ما يعرف بـ"دوامة الصمت". فالمستخدمون أصحاب المواقف الأكثر اعتدالًا، من اليهود والعرب البدو على حد سواء، قد يمتنعون عن الرد أو التدخل خوفًا من الهجوم، العزل الاجتماعي، الملاحقة أو التعليقات العنصرية. ونتيجة ذلك، يبقى الفضاء العام الرقمي ممتلئًا بسردية واحدة، بينما تتراجع الأصوات البديلة.
الفيسبوك وتيلغرام وتيك توك
وفي فيسبوك، حلل البحث 300 نص حول موضوعات مثل الاحتجاجات، الجريمة وهدم البيوت. وتشير الوثيقة إلى وجود مجموعات كبيرة تقدم نفسها أحيانًا كمساحات ساخرة، لكنها تساهم فعليًا في نزع إنسانية العرب البدو وفي ترسيخ صور نمطية عنهم. كما رصد البحث تعليقات سلبية حادة في مجموعات محلية لسكان بئر السبع، خاصة حول أحداث مرتبطة بالنقب.
أما في تليغرام، فقد رصد البحث نشاطًا واسعًا لقنوات تقدم نفسها كـ"أخبار بديلة". ويشير إلى أن الخطاب فيها يظهر أحيانًا كخطاب خبري محايد، لكنه يركز بصورة شبه دائمة على الجريمة في النقب، بما يجعل العرب البدو يظهرون كمشكلة مستمرة. وإلى جانب ذلك، يتضمن جزء من الخطاب تصويرًا لهم كتهديد جماعي للهوية والسيادة.
وتبدو الصورة في تيك توك مختلفة نسبيًا. فقد وجد البحث أن الخطاب في العينة التي جرى تحليلها كان أكثر إيجابية مقارنة بالمنصات الأخرى. ويرجع ذلك جزئيًا إلى مشاركة مستخدمين عرب وبدو في الرد على مضامين عدائية أو مواجهتها. وفي مثال أورده البحث، على منشور لحركة "رغافيم" حول احتجاج في بئر السبع، كتب عرب وبدو 34 تعليقًا من أصل 52 تعليقًا.
مع ذلك، يشير البحث إلى أن الخطاب السياسي باللغة العربية في تيك توك شبه غائب، وأن المحتوى يركز غالبًا على الحياة اليومية. وتفسر الوثيقة هذا الغياب بالخوف من الملاحقة أو من ردود فعل قاسية وتعليقات عنصرية. وفي الحالات القليلة التي ظهرت فيها مواقف سياسية، برزت مشاعر إحباط وعجز أمام صعوبة التأثير في الخطاب العام أو في الواقع.
ويعرض البحث مثالًا بارزًا من حزيران 2025، خلال الحرب بين إسرائيل وإيران. فقد نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن سكان بدو في النقب اشتروا حاويات بأموالهم ودفنوها في الأرض لاستخدامها كملاجئ مؤقتة في ظل غياب حماية رسمية كافية من الهجمات الصاروخية. وفي 22 حزيران 2025، نشرت أييلت لاش مقطعًا عن الموضوع وأضافت ادعاءً غير صحيح يلمح إلى احتمال استخدام الحاويات كمخازن سرية. وبذلك، تحول فعل مرتبط بالحماية المدنية إلى مادة لتأطير أمني ضد العرب البدو.
ويورد البحث معطى مهمًا يكشف حجم الفجوة بين الواقع والتصورات. ففي استطلاع عرضه التقرير، قال 62% من العرب البدو في النقب إنهم يعارضون بدرجة عالية العدوانية تجاه السكان اليهود في النقب. في المقابل، اعتقد 18% فقط من اليهود أن العرب البدو يعارضون بدرجة عالية العدوانية تجاه اليهود. ويرى البحث في هذه الفجوة مؤشرًا على أثر الخطاب الرقمي في تشكيل التصورات المتبادلة.
حلول؟!
ولا يكتفي البحث بالتشخيص، بل يقترح مسارات عملية لتغيير الخطاب. من بينها تجنيد مؤثرين، صحافيين، نشطاء وقادة رأي يهود وعرب بدو لإنتاج حضور بديل، لا يقوم فقط على الدفاع عن البدو، بل على إبراز الشراكة العربية البدوية اليهودية في النقب. كما يدعو إلى نشر قصص مدنية إيجابية عن التعليم، المبادرات، الثقافة، العمل والحياة اليومية، وعدم حصر التمثيل الإيجابي في سياق الخدمة العسكرية أو التضامن في حالات محددة.
كما يشدد البحث على أهمية التصريحات العلنية من قادة محليين ومؤسسات رسمية ضد العنصرية ونزع الإنسانية. فهذه التصريحات، بحسب الوثيقة، لا تحمل بعدًا أخلاقيًا فقط، بل ترسم حدودًا واضحة لما هو مقبول في الخطاب العام، وتمنح دعمًا علنيًا للأصوات التي تريد الحديث بصورة أكثر توازنًا ومسؤولية.
[email protected]
أضف تعليق