لم يكن خبر هدم البيوت في قرية تل عراد – النباري مجرد خبر آخر يضاف إلى قائمة طويلة من عمليات الهدم التي يشهدها النقب. بالنسبة لي، وبالنسبة لجمعية سدرة، كان الخبر مؤلماً على نحو شخصي وعميق، لأن تل عراد ليست مجرد قرية، بل مكان ارتبطنا به لسنوات طويلة من العمل المشترك مع النساء والأسر والمجتمع المحلي. إنها قرية عرفنا أهلها فرداً فرداً، وتقاسمنا معهم الأحلام والهموم والتحديات، وشهدنا عن قرب كيف تُبنى المجتمعات بالإرادة والصبر والانتماء.
إن هدم تل عراد هو هدم للجمال؛ جمال المكان وجمال الإنسان.
على مدار سنوات، عملت سدرة مع نساء تل عراد في برامج التمكين الاقتصادي، والأمن الغذائي، والتعليم المجتمعي، والتأهب للطوارئ. التقينا بنساء استثنائيات، لم تسمح لهن ظروف التهميش والحرمان بأن يفقدن الأمل أو الكرامة. نساء زرعن الأرض عندما غابت الموارد، ونقلن المعرفة من جيل إلى جيل عندما غابت المؤسسات، وفتحن بيوتهن لاستضافة المبادرات المجتمعية عندما أُغلقت أمامهن أبواب كثيرة.
في تل عراد رأينا نساءً يصنعن الحياة في ظروف كان يمكن أن تدفع أي مجتمع إلى الاستسلام. رأينا أمهات يربين أبناءهن على التعليم رغم انعدام البنية التحتية، ورأينا نساءً حملن مسؤولية مجتمعاتهن في أصعب الظروف. ومن هذه القرية التي حُرمت لعقود من أبسط الخدمات الأساسية، خرجت معلمات وممرضات وطبيبات وأصحاب مهن يخدمون مجتمعهم ويفتخر بهم أهلهم.
أتذكر الحاجة أم عفيف، التي تجاوز عمرها السبعين عاماً، وكانت من أكثر المشاركات التزاماً في برامجنا. لم تكن كلماتها كثيرة، لكن حضورها كان رسالة بحد ذاته. كانت تؤمن أن التغيير يبدأ من الإنسان، وأن المرأة البدوية قادرة على صناعة مستقبل أفضل مهما كانت الظروف قاسية. أمثال أم عفيف هن الذاكرة الحية لهذه القرى، وهن الشاهدات على عقود من الصمود والتشبث بالأرض.
لكن اليوم، حين يُهدم البيت، لا تُهدم الجدران فقط.
البيت بالنسبة للمرأة ليس مجرد سقف يأوي الأسرة. البيت هو مساحة الأمان، ومركز الحياة اليومية، ومكان تربية الأطفال، وحفظ الذكريات، واستقبال الضيوف، وصناعة العلاقات الاجتماعية. وعندما يُهدم البيت، تُقتلع معه أجزاء من الاستقرار النفسي والاجتماعي للعائلة بأكملها.
لقد أصبحت عمليات هدم البيوت في النقب ظاهرة متصاعدة وخطيرة تستدعي وقفة مجتمعية وإنسانية جادة. فآثارها لا تتوقف عند الخسارة المادية، بل تمتد إلى أزمات اجتماعية ونفسية عميقة، تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر منها. فالنساء يجدن أنفسهن فجأة أمام فقدان الخصوصية، وتشتت الأسرة، وانعدام الشعور بالأمان، واضطرار العائلات أحياناً للعيش في ظروف مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار.
أما الأطفال، فهم يدفعون ثمناً باهظاً لا يُرى دائماً بالعين المجردة. فالطفل الذي يشاهد بيته يُهدم أمامه لا يفقد غرفة أو سريراً فقط، بل يفقد إحساساً أساسياً بالأمان والانتماء. وترافق هذه التجارب مشاعر الخوف والقلق والارتباك التي قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.
وفي كل مرة يُهدم فيها بيت في النقب، لا تتضرر أسرة واحدة فقط، بل يتضرر النسيج الاجتماعي بأكمله. فهذه القرى ليست تجمعات سكنية عابرة، وإنما مجتمعات متجذرة في أرضها، ترتبط بأهلها كما يرتبط أهلها بها. لكل بيت قصة، ولكل شجرة ذكرى، ولكل طريق حكاية من العمل والكفاح والانتماء.
لقد تعلمت خلال سنوات عملي مع النساء البدويات أن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالمشاريع فقط، ولا تنتهي بالتدريبات أو فرص العمل. التنمية الحقيقية تبدأ بالكرامة الإنسانية. تبدأ عندما يشعر الإنسان بالأمان في بيته، وبالاستقرار في مجتمعه، وبأن حقوقه الأساسية مصانة ومحترمة.
ولهذا فإنني أؤمن أن الحديث عن تمكين المرأة وتطوير المجتمع لا يمكن أن يكون كاملاً أو صادقاً إذا تجاهل حقاً أساسياً وجوهرياً هو الحق في السكن. كيف يمكن للمرأة أن تخطط لمستقبلها وهي لا تعرف أين ستنام غداً؟ وكيف يمكن للأسرة أن تستثمر في تعليم أبنائها أو في تحسين أوضاعها الاقتصادية وهي تواجه باستمرار خطر فقدان المأوى؟
إن الدفاع عن حق السكن ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل هو دفاع عن حق إنساني أساسي، وعن شرط ضروري لأي عملية تنمية حقيقية ومستدامة.
اليوم، وأنا أتابع ما يجري في تل عراد – النباري، لا أرى مجرد بيوت مهدمة. أرى وجوه النساء اللواتي عملنا معهن لسنوات. أرى الأطفال الذين كبروا أمام أعيننا. أرى مجتمعاً كاملاً يحاول أن يحافظ على كرامته في مواجهة واقع قاسٍ.
وأمام هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نقول بوضوح: إن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في أن يكون له بيت آمن. وإن مستقبل النساء والأطفال في النقب لا يمكن أن يُبنى على أنقاض البيوت المهدمة.

تل عراد ليست مجرد قضية قرية واحدة، بل هي قصة آلاف النساء والعائلات في النقب اللواتي يستحققن العيش بأمان وكرامة واستقرار على أرضهن. وما يحدث اليوم في تل عراد يجب أن يكون جرس إنذار للجميع؛ للمؤسسات المحلية، والجمعيات النسائية، ومنظمات حقوق الإنسان، والقيادات المجتمعية، ولكل من يؤمن بالعدالة والكرامة الإنسانية. إن الوقوف إلى جانب تل عراد اليوم هو وقوف إلى جانب جميع القرى المهددة بالهدم في النقب، وإلى جانب حق النساء والأطفال والعائلات في حياة آمنة ومستقرة.
ومن موقعي كامرأة بدوية، ومناصرة لحقوق النساء وتنمية المجتمع، أؤمن أن هذه اللحظة تتطلب منا أن نوحد أصواتنا وجهودنا. فحق السكن ليس مطلبًا ثانويًا يمكن تأجيله أو التغاضي عنه، بل هو أساس الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي والتنمية الحقيقية. أدعو النساء، والمؤسسات النسائية، ومنظمات المجتمع المدني، وكل أصحاب الضمائر الحية، إلى رفع الصوت عاليًا دفاعًا عن هذا الحق.
فالسكوت على انتهاك حق واحد يفتح الباب أمام انتهاك حقوق أخرى. وعندما نصمت أمام هدم البيوت، فإننا نخاطر بأن نصحو يومًا على واقع تُسلب فيه حقوقنا الأساسية واحدة تلو الأخرى. لذلك فإن الدفاع عن تل عراد اليوم ليس دفاعًا عن بيوت فقط، بل دفاع عن مستقبلنا الجماعي، وعن حقنا في البقاء والكرامة والانتماء.
لنوحد أصواتنا قبل أن تُهدم حكايات أخرى، ولنجعل من تضامننا قوة تحمي النساء والأطفال والعائلات في النقب. فحين تتحد النساء والمجتمعات حول قضية عادلة، يصبح الأمل أقوى من الهدم، وتصبح الكرامة أقوى من الإقصاء.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]