بقلم : الدكتور محمد حيدر

في العقود الماضية، كان احتكار المعرفة الطبية بيد أصحابها. لم يكن ذلك لأن الأطباء أذكى من غيرهم، بل لأن الوصول إلى المعرفة نفسها كان صعبًا. كانت المعلومة تمر عبر الجامعات، والمراجع، والأبحاث، والمؤتمرات، ثم تصل إلى الناس بعد أن تُراجع وتُدقق وتُختبر.

اليوم تغيّر كل شيء.لم تعد المعركة على امتلاك المعرفة، بل على امتلاك الانتباه.


أصبح بإمكان أي شخص أن يحمل هاتفًا، ويقف أمام الكاميرا، ويتحدث بثقة عن السكري والسرطان والسمنة والهرمونات والتغذية والدواء. لا أحد يسأله عن مؤهلاته، ولا عن مصادره، ولا عن حجم معرفته. يكفي أن يتحدث بلغة سهلة، وأن يبدو واثقًا، وأن يمنح الناس إجابات بسيطة لمشكلات معقدة.

وهنا بدأت المشكلة. فبينما كان الأطباء والعلماء يواصلون إنتاج المعرفة، كان آخرون يتعلمون كيف يبيعونها. وبينما كان المختصون يتناقشون حول جودة الأدلة وقوة الدراسات وحدود الاستنتاجات، كان غير المختصين يقدمون للجمهور يقينًا مطلقًا وإجابات جاهزة وحلولًا سحرية.
والناس بطبيعتها لا تنجذب دائمًا إلى الحقيقة، بل إلى السردية الأكثر إقناعًا.


فالطبيب يقول للمريض إن السمنة مرض معقد تشارك فيه الجينات والبيئة والهرمونات والسلوك والعوامل الاجتماعية والاقتصادية، وإن العلاج يحتاج إلى تقييم ومتابعة وخطة طويلة الأمد.


أما المؤثر فيقول له خلال ثلاثين ثانية: “اتركوا كل هذا الكلام… المشكلة في هذا الطعام فقط.”

من الطبيعي أن تنتصر الرسالة الثانية.ليست لأنها صحيحة، بل لأنها أسهل.


لقد ارتكب المجتمع الطبي خطأً استراتيجيًا كبيرًا عندما اعتقد أن امتلاك الحقيقة يكفي لوصولها إلى الناس. الحقيقة لا تنتصر تلقائيًا. الحقيقة تحتاج إلى من يدافع عنها، ويشرحها، ويبسطها، ويكررها، ويجعلها قادرة على المنافسة في سوق الأفكار.
وفي الوقت الذي كان فيه بعض الأطباء ينظرون إلى وسائل التواصل الاجتماعي باستخفاف، كان الدجالون يبنون إمبراطوريات كاملة فوقها. كانوا يفهمون شيئًا لم نفهمه نحن مبكرًا: الناس لا تستهلك المعلومات فقط، بل تستهلك الشخص الذي يقدمها.


ولهذا السبب لم يعد السؤال اليوم:
من يملك المعرفة؟ بل أصبح: من يملك ثقة الناس؟

المؤسف أن كثيرًا من أصحاب العلم تركوا هذا المجال طواعية. بعضهم اعتبر الظهور الإعلامي أمرًا ثانويًا، وبعضهم خشي النقد، وبعضهم رأى أن مكان الطبيب الطبيعي هو العيادة أو المستشفى فقط.
لكن الفراغ لا يبقى فراغًا. كل مساحة يتركها أصحاب العلم يملؤها غيرهم. وكل معلومة صحيحة لا تصل إلى الناس تفسح المجال لمعلومة خاطئة لتأخذ مكانها.

ولهذا فإن دور الطبيب في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على تشخيص المرض ووصف العلاج. أصبح جزء من مسؤوليته أن يكون حاضرًا في المجال العام، وأن يشارك في تشكيل الوعي الصحي للمجتمع، وأن ينافس على ثقة الناس قبل أن ينافس على صحة مرضاه.

المؤثر الطبي الحقيقي ليس من يملك أكبر عدد من المتابعين، ولا من يحقق أعلى نسب مشاهدة، ولا من يتقن صناعة الجدل. المؤثر الطبي الحقيقي هو من يستطيع أن يقف في منتصف الطريق بين تعقيد العلم وبساطة الناس. من يحافظ على أمانة المعرفة دون أن يحولها إلى لغة لا يفهمها أحد. من يشرح دون أن يضلل، ويبسط دون أن يشوه، ويقنع دون أن يخدع.

المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الأطباء والمرضى، ولا بين العلم والجهل. المعركة هي بين من يحترم عقل الإنسان ومن يستغل حاجته إلى الأمل.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه
ليس: لماذا يصدق الناس الدجالين؟
بل: لماذا تركنا لهم الساحة كل هذا الوقت؟

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]