في ظل استمرار التوتر الأمني مع إيران، وما يرافقه من قلق وصفارات إنذار وأخبار متواصلة، يطرح كثيرون سؤالًا يبدو بسيطًا: هل يمكن للإنسان أن يعتاد فعلًا على الحرب؟ فالحياة اليومية تستمر، الناس يعملون، يربّون أبناءهم، يخططون للمستقبل، ويحاولون الحفاظ على روتين طبيعي. غير أن هذا التكيف الظاهري لا يعني بالضرورة أن الجسم والنفس تجاوزا حالة الخطر.
تقول د. أسنات رزيئيل، المتخصصة في الجراحة وعلاج السمنة ومديرة المركز متعدد التخصصات لعلاج السمنة في أسيا ميديكال في أسوتا رمات هحيال، إن الجسم يتعامل مع الخطر عبر آلية بقاء فورية. فحين يشعر الإنسان بالتهديد، يفرز الدماغ هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، فيتسارع نبض القلب، ويرتفع ضغط الدم، وتستعد العضلات للحركة. هذه الآلية طبيعية وضرورية في حالات الطوارئ، لكنها تصبح مرهقة عندما تتحول الطوارئ إلى حالة مستمرة تمتد لأسابيع أو أشهر.
وتوضح رزيئيل أن الإنسان قد يعتاد نفسيًا على واقع الحرب إلى حد معين. فبعد فترة طويلة من التهديد، قد تصبح صفارات الإنذار أقل صدمة، والأخبار أقل تأثيرًا، والخوف أقل وضوحًا. لكن هذا لا يعني أن الجسم اعتاد بدوره. ففي كثير من الحالات يبقى الجهاز العصبي في حالة يقظة خفية، ويستمر إفراز هرمونات التوتر حتى عندما يشعر الإنسان ظاهريًا بالهدوء.
النوم
وتشير إلى أن النوم يكون غالبًا أول المتضررين من التوتر المستمر. فكثيرون يعانون من صعوبة في النوم، أو الاستيقاظ المتكرر، أو الأحلام المزعجة، أو النوم السطحي. ومع تراجع جودة النوم، تتضرر القدرة على التركيز واتخاذ القرارات، وتزداد مشاعر القلق، وقد يضعف جهاز المناعة.
كما يتأثر القلب والأوعية الدموية بحالة التأهب الطويلة. فاستمرار التوتر قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، ما يزيد العبء على القلب، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر صحية مسبقة. وتظهر دراسات أجريت في مناطق شهدت حروبًا وأزمات كبرى ارتفاعًا في الأحداث القلبية خلال فترات التوتر المجتمعي الشديد.
ولا يتوقف الأثر عند القلب والنوم. فالتوتر يؤثر أيضًا في الشهية والوزن. بعض الأشخاص يفقدون شهيتهم، بينما يزداد لدى آخرين الميل إلى تناول أطعمة غنية بالسكر والدهون. وترتبط هذه الظاهرة بهرمون الكورتيزول، الذي يؤثر في آليات الجوع والشبع، وقد يدفع إلى الأكل العاطفي. ومع قلة النوم وانخفاض النشاط البدني وزيادة الجلوس، قد تظهر زيادة في الوزن وتدهور في الحالة الأيضية.
وتلفت رزيئيل إلى أن جهاز المناعة يدفع هو الآخر ثمن التوتر المزمن. فعندما يبقى الجسم في حالة استنفار لفترة طويلة، قد يختل التوازن المناعي، ما ينعكس في زيادة الالتهابات والعدوى لدى بعض الأشخاص، أو تفاقم أمراض جلدية والتهابية وآلام مزمنة وأمراض مناعة ذاتية لدى آخرين.
الأطفال
وتؤكد أن الأطفال يتأثرون أيضًا، حتى عندما لا يتابعون الأخبار مباشرة. فهم يلتقطون التوتر في البيت، يسمعون صفارات الإنذار، ويشعرون بقلق الوالدين. وقد يظهر القلق لديهم من خلال آلام في البطن، صداع، اضطرابات نوم، عصبية، ضعف تركيز أو تغيرات سلوكية. لذلك، لا يكفي شرح الواقع لهم، بل يجب الإصغاء إلى مشاعرهم وتوفير أكبر قدر ممكن من الأمان.
وترى رزيئيل أن الصمود يمكن تعزيزه حتى عندما لا يستطيع الإنسان التحكم بالواقع الأمني. فالحفاظ على روتين يومي، وممارسة نشاط بدني منتظم، وتناول طعام متوازن، والنوم بشكل كاف، والبقاء ضمن شبكة اجتماعية داعمة، كلها عوامل تساعد الجسم والعقل على تخفيف آثار التوتر. كما أن تقليل التعرض المستمر للأخبار، وتخصيص وقت للعائلة والهوايات، وممارسة التنفس أو التأمل أو اليقظة الذهنية، يمكن أن تساعد الجهاز العصبي على استعادة توازنه.
وتخلص رزيئيل إلى أن التكيف قدرة إنسانية مهمة، لكنه لا يعني المناعة. فقد يبدو الإنسان معتادًا على الحرب من الخارج، بينما يواصل جسمه التعامل مع عبء متراكم من التوتر. ومن هنا، فإن الوعي بهذه الحقيقة لا يجب أن يثير الخوف، بل أن يدفع إلى الإصغاء للجسم، والحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية، وإفساح المجال للراحة والدعم والأمل.
[email protected]
أضف تعليق