هادي زاهر
المسرحية نفسها تتكرر كل عام. بالأمس قُدّمت في قرية عسفيا، داخل نطاق المقبرة العسكرية. إنها مسرحية تراجيدية-كوميدية بامتياز، تؤديها الحكومة سنوياً في اليوم ذاته، ما يُسمّى بـ"ذكرى الشهداء". العرض هو ذاته، لكن الأبطال يتغيرون؛ ففي كل عام يأتي وزير جديد ليؤدي دوره، ويُعرب أمام الملأ عن مشاعر المحبة والولاء لأبناء الطائفة الدرزية. هذا العام، كان البطل وزير الطاقة والبنية التحتية، إيلي كوهين، الذي لم ينسَ إبراز اهتمام حكومته الظاهري بنا. لكن الحقيقة، في نهاية المطاف، تقول شيئاً آخر: إنهم يعشقون السير فوق بطوننا.


ويمكن لأي متأمل في الواقع أن يلمس هذه القصة التراجيدية-الكوميدية في تفاصيل الحياة اليومية. فوزارة الطاقة، التي يُفترض أن تكون مهمتها توفير الكهرباء، تقف عاجزة عندما ننظر إلى قرانا وأحيائنا الجديدة، حيث تفتقر العديد من المنازل إلى الكهرباء، لا سيما منازل الشباب والجنود المسرّحين الذين يُفترض أنهم خدموا تحت رايتها. ولا ننسى مأساة الأسرة التي فقدت حياتها في عسفيا مؤخراً بسبب تسرّب غاز من مولد كهربائي اضطروا لاستخدامه بديلاً عن الكهرباء النظامية. وبدلاً من التحرك الجاد لربط البيوت بالكهرباء وتطبيق قانون "شاحل" الذي أُقر سابقاً، يفضّل المسؤولون البقاء في دائرة الوعود دون تنفيذ.


أما المفارقة الكبرى، فتتجلى في الدعم العلني والضمني الذي تقدمه الحكومة لجماعات مثل "شباب التلال"، الذين يستولون على أراضي الفلسطينيين ويقيمون مستوطنات دون أدنى اعتبار للقانون، في حين تُمنح هذه المستوطنات جميع الخدمات الأساسية، من طرق ومياه وكهرباء، بسخاء لافت.


وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، فإن ما يُقدَّم لنا ليس سوى منح مجتزأة ومهملة؛ طرق متهالكة وفوضى عمرانية تتفاقم مع الغبار المستمر. يتحدثون في كل مناسبة عن "حلف الدم"، الذي يكبّلنا بدلاً من "حلف الحياة والسلام". يعترفون بالأخطاء ويمطروننا بوعود خاوية بتحسين المستقبل، لكن، ولسوء الحظ، باتت هذه المظاهر جزءاً راسخاً من أساليب التضليل السياسي.


أما دور أبناء الطائفة الدرزية في الجيش الإسرائيلي، فلا يعدو كونه استغلالاً إعلامياً. ومع تطور أساليب الحرب الحديثة التي تعتمد بشكل متزايد على سلاح الجو، تتراجع الحاجة الفعلية للوجود البري. ومع ذلك، تستمر الأرواح في دفع الثمن، سواء في الحروب العبثية أو عبر حوادث الطرق والانتحار.


وتواصل الحكومة سنّ قوانين تُكرّس التمييز ضدنا، وتُسرّع عملية طرد السكان الأصليين بشكل تدريجي، حتى تصبح أراضينا في قبضة الآخرين. نحن العرب، الذين نشكّل أكثر من 20% من السكان، لا نملك سوى نحو 2.6% من الأراضي. والأسوأ أن جزءاً كبيراً مما تبقى يخضع لسيطرة مجالس يهودية، مع تسهيلات قانونية تتيح مصادرته في أي وقت بذريعة إقامة مشاريع عامة.


وفي هذا اليوم، نطرح السؤال: أي وطن هذا الذي يتغنون به؟ أهو الوطن الذي نحرم فيه من الأرض والكهرباء؟ أم هو الوطن الذي تُداس فيه حقوقنا عبر قوانين مثل "قانون كامينيتس" الذي يشدد الخناق علينا؟ أم هو وطن الميزانيات المتدنية التي تُبقي قرانا متأخرة مقارنة بغيرها؟
عن أي بطولة نتحدث؟ هل سقط شباب الطائفة شهداء، أم كانوا ضحايا لسياسات تتجاهل الإنسان وقيمته؟ هل أصبح للدماء المسفوكة ثمن؟ ماذا عن الأمهات الثكالى اللواتي يبكين بلا توقف؟ والآباء المكلومين الذين يعيشون حسرة دائمة؟ والأزواج الذين تُركوا وحدهم، والرجال الذين تخلى عنهم المستقبل قبل الأوان؟


أين النتائج؟ هل منحت تلك الدماء أي امتياز يُذكر؟ لا شيء تغيّر؛ فقط مزيد من المعاناة والظلم. لقد اختُزل دورنا في أن نكون أدوات تُستخدم ثم تُهمل عند انتهاء الحاجة.
أيها الأحبة، إن واقعنا المؤلم يستصرخنا جميعاً للوقوف معاً، والتحرك بحزم وبصوت عالٍ لمواجهة هذا القهر المتواصل.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]