لم أقتنع يومًا بالجلسات النسائية، إذ لا يتجاوز مستوى الحوار فيها الحديث عن كيفية إعداد الطعام، يُضاف إلى ذلك حلقات من الثرثرة العقيمة التي لا فائدة منها ولا جدوى، وتفتقر إلى أبسط صور الشكر على النعم وعبارات الامتنان. ناهيك عن أن جلّ تركيز المرأة ينحصر في الدراما الاجتماعية، وآخر صيحات الموضة، وعالم المكياج، وتتبع حياة فنان أو عاشق في المدينة. وأنا أفتقد كل ذلك، بل إن آخر اهتماماتي نوع الغذاء ومنطق الثرثرة والكلام.
لقد اختلفت طرق تفكيري منذ الطفولة حتى اليوم، وترك ذلك انطباعًا قويًا نحو مجدٍ يُبنى على أسس متينة، يرتكز على التفكير السوي الموجّه نحو كل ما هو استراتيجي لا تكتيكي في هذه الحياة.
كنت أنصت دومًا لحديث الطرف الآخر من كبار القوم، وكلي آذان صاغية للحصول على شهادات حيّة تُسعف الذاكرة من الضياع، أو ما يُعرف بالتاريخ الشفهي. كما اعتدت تحليل ما يُنشر عبر وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وتعلمت من دراسة التاريخ في الجامعة كيفية تفنيد الروايات وفحص مدى مصداقيتها، والاعتماد على كيف الأدلة وكمّ البراهين.
لكن...
هل تغيّر شيء في هذه الحياة؟ أم أن التغيير غلب براعة التفكير لديّ؟
اليوم اضطررت للاجتماع مع بنات جلدتي، تحت مسمى المواساة العائلية. في البداية، كدت أنسى حيثيات الجلسة، وكنت مجرد حاضرة مستمعة، لم يخطر ببالي المشاركة ولو بأطراف الحديث. كان الصمت سيد الموقف، في ظل بكاء إحداهن على فقدان الديار، وتكرار الشكوى من حياة الخيام، وارتفاع مستويات الصدمة والضغط، وعدم القدرة على التقبّل أو التكيّف مع واقع جديد؛ أوله ركام وآخره دمار.
إلا امرأة واحدة، لم تغادرها الابتسامة طوال اللقاء، بل جعلت من جلسة المواساة بدايةً للتعافي. تساءلت: هل هي حقًا سعيدة؟ أم أنها تتجاوز الألم بطريقتها الخاصة؟ رأيت في عينيها إدارة للأزمات وصناعة للأمل، وكأنها تحمل حلولًا صامتة لا تُقال.
باختصار، كانت أولى المسافرات نحو الأمان، بعيدة عن مسببات التوتر، تُغرد في سماء التحدي بابتسامتها، وتقاوم الانهيار الداخلي بثبات نادر. وهبها الله قوةً جعلتها تبعث الطمأنينة فيمن حولها.
هي السلام الداخلي ذاته، رسالة حب واطمئنان، وسرّ من أسرار السعادة. تمثل الفطرة النقية، وتصل بين الماضي والحاضر دون حواجز، وتواجه الواقع ببراءة وقوة في آنٍ معًا.
تجرأت أخيرًا وحدثتها، علّي أخرج من تلك الجلسة بإجابات. لكنني وجدت نفسي أراجع ذاتي: أإلى هذا الحد أصبح الحزن نهجًا ومقرًا؟ ونسيت أن العمر يُعاش مرة واحدة فقط؟
للمرة الأولى، أُقرّ بأن هذه الجلسة كانت بداية للتعافي من تراكم الصدمات. ولو وُجدت في كل عائلة امرأة كهذه، لعمّ السلام، وابتعدنا عن نشر الخوف والهلع، وعن الشائعات التي يغذيها اليأس، ونسينا معها أن الله على كل شيء قدير.
بقلم: غادة عايش خضر
شمال غزة
إذا بدك، أقدر أعمل لك نسخة أقصر للنشر الصحافي أو نسخة أدبية أقوى بأسلوب أكثر تأثيرًا
[email protected]
أضف تعليق