كتب : الشيخ عبد الله عياش- عضو حركة الدعوة والإصلاح

"أُنزل القرآنُ ليعمل به الناس، فاتخذ الناس تلاوته عملًا"، هكذا قال الإمام الحسن البصري رحمه الله واصفًا حال أكثر المسلمين، حيث علاقتهم مع القرآن علاقة سطحية، كلام بلا احتكام، وترديد من غير تفعيل، وقفت آمالهم عند أجر التلاوة، ولم تجاوزها إلى التطبيق والعمل.

ولعل سائلًا يسأل: في القرآن أحكام وأخبار، فالأحكام حقها التطبيق، والأخبار حقها التصديق، قال سبحانه: {وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا} الأنعام: آية 115، أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام. فكيف يمكن للمسلم أن يعمل بالأخبار وأن يُطبق القصص؟! والجواب بكل اختصار، من خلال استلهام ما فيها من دروس وعبر، فقصص القرآن لم تنزل للترف الفكري، ولا للتفكّه بها في المجالس، ولا لملء أوقات الفراغ، ولكن للاعتبار والادّكار.

ولعلنا نتدبر في هذه السطور القليلة قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد، في عشر وقفات موجزة، مع اعترافنا بالقصور عن سبر أغوارها، وإحصاء أسرارها، فكلام الله غزيرٌ حمّال أوجه، والنظم القرآني سخيٌّ مُثقَل بالمعاني، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق:
قال الله تعالى: {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال أحطتُ بما لم تُحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين * إني وجدتُ امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألّا يسجدوا لله الذي يُخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم}. [النمل: 20-26].

الوقفة الأولى: {وتفقد الطير}: رسالة إلى كل ملك وحاكم ورئيس، غفل عن رعيته وأهمل أبناء دولته، وتركهم يعانون الجوع والمرض، والحر والبرد؛ يفتك بهم الغلاء وينهشهم البلاء. {وتفقد الطير} رسالة إلى كل أب وأم، تركوا أبناءهم للضياع والنسيان، وأسلموهم للأجهزة والشاشات وما فيها من ملهيات ومفسدات.

الوقفة الثانية: {لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين}، هكذا تكون القيادة الحكيمة الرشيدة، حازمة من غير ظلم، قوية من غير تهوّر، تهدد وتتوعد لكنها تبقي للعذر مكانًا، وقد قيل: لا تكن ليّنًا فتُعصر، ولا صعبًا فتكسر، ولله درّ القائل: قسا فالأسدُ تفزعُ من لقاه ** ورقّ فنحن نفزع أن يذوبا.

الوقفة الثالثة: {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين}، الإمام العادل يربي جنده على حق الكلام ويعلّم رعيته حرية التعبير وإبداء الرأي. قارن بين هذا وبين علماء ودعاة: جعلوا الصمت عن الظلم دينًا، والسكوت عن إنكار المنكر اتباعًا وسُنةً !

الوقفة الرابعة: {أحطتُ بما لم تُحط به}: لسان حال الهدهد: إني وإن كنتُ مجرد طائر، لا يتجاوز حجمي حجم راحة اليد، وأنت من أنتَ مكانة ومقامًا، مع اتساع علمك، وامتداد ملكك، إلا أن عندي من العلم ما ليس عندك .. فـقُل لمن يدعي في العلم فلسفة ** حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياء.

الوقفة الخامسة: {أحطت بما لم تحط به}: كن جريئًا في قول الحق: فأهل الباطل يجهرون بباطلهم ويجأرون بمنكرهم، فأنت أولى بذلك منهم، بل ينبغي أن يكون صوتك أعلى وموقفك أقوى.

الوقفة السادسة: {أحطت بما لم تحط به}: دخل الحسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم، فأحب الحسن أن يتكلم، فزجره، وقال: يا صبي تتكلم في هذا المقام! فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنتُ صبيًا فلست بأصغر من هدهد سليمان، ولا أنت بأكبر من سليمان عليه السلام، حين قال: أحطت بما لم تحط به. فلا تستهن بنفسك ولو كنت صغيرًا، فالحق أكبر من الجميع.

الوقفة السابعة: {وجئتك من سبأ بنبإ يقين}: ما أحوجنا إلى النبأ اليقين والخبر الصادق، فقد أفسدت الشائعات مجتمعاتنا، وقطّعت أوصالنا ومزقت علاقاتنا.

الوقفة الثامنة: {وجئتك من سبأ بنبأ يقين}: سافر الهدهد مئات الأميال في الدعوة إلى الله، وكرر ذلك مرات عدة، فما يمنعك أن "تُسافر" إلى غرفة ولدك تذكره، أو بيت جارك تنصحه، أو منزل صديقك تعظه! فلا يكن الهدهد أحرصَ منك على الخير، ولا أدلّ منك على الهدى.

الوقفة التاسعة: {وزين لهم الشيطان أعمالهم}: أدرك الهدهد تزيين الشيطان، وميّز غثّ كلامه من سمينه، وحلوه من أُجاجه، وأنت يا من هُديت النجدين ما زلت تقع في حبائله، وتتخبط في غوائله!
الوقفة العاشرة: {ألّا يسجدوا لله الذي يُخرج الخبء في السماوات والأرض}: لما رأى الهدهد الشرك والمنكر، اهتز وانتفض، وغضب لله تعالى، فلا يكن الطائر الصغير أغيَر منك على حرمات الله ودين الله وشريعة الله ... فتلك عشرة كاملة، وما زال في البئر بقية لنازح. والحمد لله رب العالمين.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]