بقلم رانية مرجية
ليست المسافة بين الطيبة والسذاجة خطًا رفيعًا كما يُشاع، بل خللًا دقيقًا في ميزان الوعي؛ انحرافًا غير مرئي، لكنه كفيل بأن يُحوّل الفضيلة إلى قابلية للاستنزاف، والقلب المفتوح إلى مساحةٍ مستباحة.

الطيبة، في تعريفها الأكثر دقة، ليست انفعالًا عاطفيًا، بل موقفًا معرفيًا. إنها اختيار يُتخذ بعد الفهم، لا قبله. الطيب ليس من لم يختبر القسوة، بل من اقترب منها بما يكفي ليدرك بنيتها، ثم رفض—بنوع من السيادة الداخلية—أن يعيد إنتاجها. بهذا المعنى، الطيبة ليست براءة، بل انضباط أخلاقي؛ ليست لينًا، بل شكلٌ راقٍ من القوة التي لا تحتاج أن تُعلن نفسها.

أما السذاجة، فلا تكمن في صفاء القلب، بل في فقر القراءة. الساذج لا يُخطئ لأنه يحب، بل لأنه لا يرى. يتعامل مع العالم كنص مباشر، بينما هو—في حقيقته—نص متعدد الطبقات، مليء بالإيحاءات والانقطاعات والمناطق الرمادية. ومن هنا، فالسذاجة ليست فضيلة ناقصة، بل وعيًا غير مكتمل، يثق بما يُعرض له دون أن يسائل ما يُخفى عنه.

الإشكالية أن الطيبة والسذاجة تتشابهان في السلوك، وتختلفان في البنية. كلاهما يمنح، يسامح، ويُحسن الظن. لكن الطيب يفعل ذلك وهو يحتفظ بحقه في التراجع، بينما الساذج يفعل ذلك لأنه لا يعرف أنه يملك هذا الحق أصلًا. الطيب يفتح يده مدركًا ما قد يفقده، أما الساذج فلا يرى الخسارة إلا بعد وقوعها.

نفسيًا، الطيبة الناضجة تنبع من اكتفاء، بينما السذاجة غالبًا ما تنبع من احتياج. الأول يعطي لأنه قادر على ألا يعطي، والثاني يعطي لأنه لا يحتمل فكرة الرفض أو الانفصال. وهنا يكمن الفارق الأعمق: الطيبة تعبير عن امتلاء، أما السذاجة فغالبًا ما تكون محاولة لتعويض نقص غير معترف به.

غير أن العالم—وهنا المفارقة—نادراً ما يُحسن هذا التمييز. في بيئات تُجيد استثمار الضعف، يُعاد تأويل الطيبة بوصفها قابلية للاستغلال، ويُعاد تعريف الحذر بوصفه قسوة. وهكذا، يجد الإنسان نفسه أمام خيارٍ زائف: إما أن يحتفظ بقلبه ويخسر موقعه، أو يحمي نفسه ويفقد شيئًا من إنسانيته.

غير أن هذا الخيار، في جوهره، مضلل.

فالطيبة التي تُقصي صاحبها ليست فضيلة، بل استنزاف مُقنّع. واللطف الذي لا يعرف حدوده لا يُنتج علاقات، بل يُنتج اختلالًا. إن أكثر أشكال الطيبة نضجًا ليست تلك التي تُعطي بلا حساب، بل تلك التي تُحسن التقدير. ليست التي تتسامح دائمًا، بل التي تعرف متى يكون التسامح وعيًا، ومتى يكون إنكارًا للضرر.

الوعي هنا لا يُلغي القلب، بل يُعيد تنظيمه.

فأن تكون طيبًا لا يعني أن تكون متاحًا، وأن تثق لا يعني أن تُعطّل شكّك، وأن تُحب لا يعني أن تُعلّق ذاتك على الآخرين. الطيبة، في صورتها الأعمق، ليست انفتاحًا مطلقًا، بل انفتاحٌ مُدار؛ ليست عطاءً مستمرًا، بل اختيارٌ متجدد لمن يستحق.

ولا يُكتسب هذا التوازن نظريًا. إنه يُبنى عبر خيباتٍ دقيقة، لا تُعلن نفسها كصدمات كبرى، بل كتشققات صغيرة في صورة العالم. كل خذلان يُعيد ضبط الحواس، كل خيبة تُضيف طبقة من الفهم، إلى أن يصل الإنسان إلى تلك المرحلة الحرجة: حيث لا يعود قادرًا على السذاجة، لكنه لم يفقد قدرته على الطيبة.

هناك فقط، تتشكل الحكمة.

ليست الحكمة أن تُغلق قلبك كي لا تُؤذى، فذلك شكل آخر من الهزيمة. وليست أن تُبقيه مفتوحًا بلا وعي، فذلك شكل مؤجل من الألم. الحكمة أن تُبقيه مفتوحًا بقدرٍ يكفي ليبقى حيًا، ومحصّنًا بقدرٍ يكفي ليبقى لك.

في النهاية، لا يكمن السؤال في: هل نحن طيبون أم سذّج؟
بل في: هل نملك من الوعي ما يكفي لنحمي طيبتنا من أن تتحول إلى الطريقة الأكثر أناقة لإيذاء أنفسنا؟

لأن الطيبة، حين تُترك بلا وعي…
لا تُنقذ أحدًا—حتى صاحبها.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]