بقلم : غالب سيف
في 20.2.2026 رحل عنا شاعر الفقراء الشيخ\الرفيق او الرفيق\الشيخ أبو الوليد نايف سليم (سويد) عن عمر ناهز ال 91 عاما, ابن قرية البقيعة العامرة باهلها وأدباءها وشعرائها, قرية جليلية مشهوره بعين مائها وتوتها, والتي ليس صدفة ولا مِنّة ان رفيقنا القائد والشاعر توفيق

زياداطلق عليها اللقب المُشرّف "بلد الشعراء", راحلنا كان قائدنا في لجنة المبادرة العربية الدرزية التي رفعت مطلب رفض التجنيد الاجباري المفروض على شبابنا العرب الدروز منذ عام 1972 وحتى يومنا هذا, وكان أيضا احد قادة حزبنا الشيوعي لفترة طويلة, كان له فيه مهام مركزية وهامة¸ منها قيادته لمنطقة عكا الحزبية كسكرتير لها, وعضويته في اللجنة المركزية لدورات عديدة, في الفترة التي كان فيها مجرد عضوية عادية في الحزب تخضع الى مرحلة "عضو مرشح" قبل نيل بطاقة العضوية, او "عضو مرشح" للجنته المركزية قبل الحصول على العضوية الكاملة فيها, وكان احد اعضاء "لجنة المنح الدراسية" التي كانت تقرر من الذي سيحصل على منحة دراسية في الدول الاشتراكية, هذا الاديب والعظيم والاممي تشرفت بانه كان استاذي ومعلمي ورفيقي وشريكي, وربما كنا سويا الثنائي الحزبي الأكثر قربة وانسجام مشترك تام, على مدى ال- 42 عاماً ونيف ترافقنا فيها منذ انضمامي لصفوف الحزب وحتى يوم رحيل كثيفه عنا.

راحلنا أبو الوليد هو من ضمّني لصفوف حزبنا الشيوعي عام 1983 , بعد ان تعارفنا قبلها ومن خلال عملي النقابي في الهستدروت – نقابة العمال العامة, عندما شغلت وظيفة سكرتير التنظيم المهني في مجلس عمال مركز الجليل, في فترة كان هو رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في هذا المجلس, وبعد اقصائي او طردي من عملي فيه عام 1983 , امر تولى تنفيذه رعنان كوهين مباشرة, الذي كان في حينه مسؤول ملف العرب في الحكومة والهستدروت من قبل حزب العمل, في حينه كان لهذا الحزب السيطرة على الكنيست والحكومة والهستدروت معا, ومن النوادر التي صادفتني مع هذا الرفيق النبيه والخارق الذكاء والتقييم في تلك الحقبة هي ما تنبأ به او كان تقيم منه اني قطعا سأنضم للحزب الشيوعي..!! لاحقا, على كلٍ هذا التقدير الذي استغربت لمجرد التحدث به عندما ذكره امامي اكثر من مرة تحقق عام 1983, وأيضا بفضل سعيه ومجهوده وقدرة إقناعه, لذلك كان له فضل إخراجه الى الواقع الذي لم يتغير مذ ذاك حتى هذه اللحظة.

منذ تلك الفترة وحتى رحيله عنا في 20 شباط الماضي, وكما ذكرت أعلاه ترافقنا, تشاركنا, وتحولت العلاقة ليكون هو بالفعل بمثابة معلم واستاذ لي, وانا بالفعل تشرفت بان أكون احد تلاميذه, أقول هذا ابدا وقطعا ليس من باب المبالغة او النفاق او التملق, صفات ليس فقط اني لا اجيدها لا بل امقتها بكل جوارحي وقناعاتي, وانما توصيف صادق وحقيقي لطبيعة هذه الرفقة الطيبة والشراكة الفعلية والتي لم يشوبها ولا شائبة ابدا وقطعا, منذ بدايتها عام 1983 وحتى رحيله عام 2026, بحيث مرت هذه الفترة الطويلة والغنية والآسرة بما مر علينا سويا فيها, وما مرّ علينا هو كثير كثير, نشاطات كثيفة ومتنوعة وآسرة في مضمونها, امتدت على ارض وطنا كله, في قطاع غزة الغالي والحبيب وما كان فيها من اللقاءات, مع المرحومين الدكتور حيدر عبد الشافي والشيخ احمد ياسين والدكتور زكريا الأغا وعضو الوفد الفلسطيني المفاوض عبد الهادي أبو خوصة والوزير فريح أبو مدين وغيرهم الكثيرين من القيادات والناس والنشاطات, بما فيه التبرع بالدم لبنك الدم هناك والذي ترأسه وأسسه طيب الذكر المرحوم حيدر عبد الشافي, وغيرها الكثير من الفعاليات, او في الضفة الغربية المحتلة والتي فيها حرثنا الميدان بطوله وعرضه وعمقه وشموليته والتفاصيل كثيرة كثيرة, وأيضا في الداخل الفلسطيني او عرب الداخل, وفي السياق غلطان من يعتقد اننا لسنا بحاجة الى التقرب والتواصل مع بعض, تجربتنا التي اكتسبناها بفكر وعمل راحلنا الطيب الكريم والواعي تقول ان هذا احد الأمور الحيوية والحياتية, لا بل الوجودية, التي يجب وضروري ان نتعب عليها بشكل واعي ومنظم ومنضبط,

ألا تواجهنا وتضرنا وتفتك في وحدتنا سياسة فرق تسد ؟؟ سابقا ولاحقا. كل هذا هو عمل وطني وتقدمي وقومي مميز وضروري وشعبنا بكل بساطة بأمس الحاجة له, نشاط ما في اكثر منه مبارك وناجع ومفيد وصحي 100%, كثيف جدا, ومميز جدا, وشامل وعميق من حيث الحجم وبالفعل غير مألوف, وبالمقارنة مع تنظيمات واطر اخرى او حتى مع نشاط رفاق آخرين, وللدلالة والتوضيح وعلى سبيل المثال, فيه وبخصوص علاقاتنا مع شعبنا في المناطق المحتلة لم نستثني ولا فصيل فلسطيني هناك وكان لنا علاقات مع الجميع وخاصة مع احرار واهل الجولان السوري المحتل, ولا اي حزب او مجموعة او طيف في الداخل, بما فيه القوى الديمقراطية اليهودية, عمليا كان نشاطنا عبارة عن فعل استراتيجي وعملي يواجه ويحاكي بكل ثقة وثِقل سياسة الصهيونية المبنية على سياسة فرق تسد, وهو متناسق وما زال مع كون لجنة المبادرة العربية الدرزية مركب من مركبات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة حتى هذه الساعة, واقولها للعبرة والتوضيح انه لراحلنا وقائدنا نايف سليم كان الدور القيادي الأول في تثبيت وترسيخ هذا الفعل الجبار وهذه المواقف المشرفة والمفيدة وهذا النهج الذي أي بديل له لن يفيد.


ولكون أبو الوليد قائد شيوعي فذ وشاعر واديب مميز, أولا وقبل كل شيء بوطنية صادقة ولا اعتبارات جانبية تشوبها ابدا, وما حبه الجامح لشعبه الفلسطيني سوى الدليل القاطع على ذلك, حقيقة تجلت في كل ما كتب شعرا ونثرا, في المقالة والمنشور وفي كل مناسبة, وأبو الوليد كان مميز بأمميته الساطعة, الامر الذي انعكس بكل وضوح وثبات من خلال تحيزه المطلق للطبقة العاملة والفلاحين الذي هو منهم وللناس الفقيرة الميسورة, ومن مآثره الكثيرة انه كان احد أعضاء مجموعة "الشباب الدروز الاحرار" الذين اصدروا البيان المشهور عام 1965 ضد التجنيد الاجباري, والتي شملت طيبا الذكر العمالقة الرفاق المرحومان سميح القاسم ومحمد نفاع, وفقيدنا احد مؤسسي لجنة المبادرة العربية الدرزية ال 6, وقائدها الفكري والإعلامي وعضو السكرتارية فيها منذ تأسيسها حتى رحيله المؤلم, وما حضوره آخر اجتماع لنا كسكرتارية في بيت رفيقنا عبدالله أبو معروف قبل شهر ونيف, برغم مرضه وحالته الصحية الصعبة وكونه ابن 91 عام سوى تأكيد لهذا القول الصادق, حضر الاجتماع وشارك في نقاشاته وابحاثه, مستعينا بما في ذاكرته المتوقدة والزاخرة بأبيات من الشعر الذي كان حافظ منه 7 آلاف بيت عن ظهر قلب.., الامر الذي اتحفنا واذهلنا لما كان عنده قوة ذاكرة وذكاء خارق بحق وحقيقة, بعد مشاركته هذه بدقائق تعرض اثناء الاجتماع لنوبة صحية قوية أدخلت الرعب في قلوبنا تحسبا عليه ومحبة له, مما استدعى وقف الاجتماع. نذكر هذا كله للدلالة على عظمة هذا العملاق المتواضع ودوره الجبار في العمل الوطني والتقدمي والقومي, مما يجعل رحيله خسارة فادحة لشعبنا الفلسطيني كله وللطبقة العاملة باسرها.

وللحقيقة أبو الوليد هو الذي اشرف منذ عام 1972 أي عام تأسيس لجنة المبادرة العربية الدرزية على كتابة مناشيرها ومناشير لغيرها من الأطر الاخرى ( آلاف المناشير), ونشرات اللجنة وكتبها (65 نشرة وكتاب), وأقول هذا كوني شاهد على وشريك في هذا العمل الجبار والهام بعد انضمامي للجنة والحزب والجبهة عام 1983 وحتى يومنا هذا.

اذا نحن في سيرة شخص جمع صفات وميزات وخصائص وخصال قل جمعها في شخص واحد, واعيد ما ذكرته في خطابي التأبيني لذكراه يوم تشييع جنازته في 20.2.2026 عندما عددت بعض هذه الصفات والخصال والميزات النادرة عنده : العملاق المتواضع, الشاعر, الاديب, القائد, المعلم, المفكر, المناضل, القومي, الوطني, الاممي, الماركسي-اللينيني, العصامي, الصادق, الخلوق, المستقيم, المتواضع, الجامع للكلمة والموقف, الشيخ, المتفاني تجاه شعبنا الفلسطيني, تجاه طبقته وتجاه بلده الذين كان يعشقهم كما كان يعشق اسرته واهل بيته المميزين بما زرعه بهم من قيم ومُثُل.
رفيقنا نايف سليم كان مؤلف شعرا ونثرا, له 41 كتاب وديوان شعر, وهذا لا يشمل كتاب له وهو في حوزتي وعمل على جمع مضمونه عشرات السنين واعتبره " كتاب العمر".. وسماه : " مختارات من الشعر الصافي", في حوالي 1000 صفحة, ولظروفه المادية وانشغاله بطباعة وتمويله لباقي كتبه, سلمني اياه على امل ان أقوم بواجب طباعته, آمل ان أتمكن من تحقيق مطلبه هذا, لما لهذا المؤلف من قيمة لا تضاهى وأهمية ستجعله من الكتب العظيمة الفائدة عربيا وعالميا اذا تيسرت طباعته.
ولأني غير قادر على إعطاء القارئ عينات او اقتباسات كافية وملمة, اكتفي ولو في هالذوقة مما تركه لنا هذا المبدع العظيم من موروث نثري وشعري مميز ومُتّحِف, لذلك آثرت اختيار اقتباسات قليلة من مؤلفان من كتبه ال 41 , عسى ان تحفز وتغري القارئ والعموم لفتح الشهية ليفتشوا في السراج والفتيله عن مؤلفات راحلنا ليستفيدوا منها ويتمتعوا بمضمونها الآسر والشيق.
• في كتابه "قالوا.." , كتاب ملآن بالمقولات والشعر الثوري والحماسي والطبقي وكله حِكَم جاء:
- في ص 2 كتب في مقدمته للكتاب : " قالوا قديماً : على الشاعر ان يضع ناراً في شِعرِه او ان يضع شِعرهُ في النار ..".
- وفي ص 8 عن بشار بن برد كتب:
وحارب اذا لم تعط الا ظلامةً شبا الحرب خير من قبول المظالم
- وفي ص 13 كتب عن ما قاله معروف الرصافي :
علمٌ ودستورٌ ومجلس امةٍ كلٌ عن المعنى الصّحيح مُحرّفُ
للأجنبيّ مطامعٌ ببلادكمّ لا تنتهي إلا بأن تتبلشفوا .
- وفي ص 15 جاء عن ما قاله الشاعر طليع حمدان :
افتخر يا جنوب ع تراب الحميّه بأقوى مقاومه شعبك بانيها
اهجمي يا مقاومة ع المدفعيّه ولإسرائيل ظلك قاوميها.
العماله والحقد والطائفيه اسحبيهم من بلدنا واسحبيها
- وفي ص 57 قال محمد الفيتوري (عن الحزب غ.س) :
قسماً بالحزب وعيد الفجر القادم كالإعصار
ما نزف الجرحِ المعصوب بقلب الثوار
الا غضباً يتفجر .. في إصرار
باسمك غبد الخالق ما زالت راية حزبي خافقةً للأجيال
تُثمر خبزاً للكادح لبناً للأطفال
• واما في كتابه " من أطرف الأزجال" , اقتبس فقط بيت العتابا هذا لمالك تقي الدين :
نصيحه ما بقيت تقول أصلي
اذا ما كنت بالأفعال أصلي
وبوجه غاصب الأوطان اصلي
السِهام وهون تحصيل الرُتب
رفيقي وشريكي ومعلمي نايف سليم أقول لك بحزن وألم وعين دامعة ..وداعا, وللرفاق والأصدقاء ولكل صاحب موقف ومسؤولية ورغبة في العمل الصحيح والمفيد والبناء أقول بكل اريحية ومسؤولية, ادرس واعرف موروث هذا العظيم المتواضع وطلع على ارثه وسيرته لتحصل على مدرسة ودروس ودراسات التي فيها ان تجعلك من الفائزين الغانمين.
لتبقى ذكراك خالدة يا رفيقي وابدا على هذا الطريق.
( كاتب المقال رئيس لجنة المبادرة العربية الدرزية)
(يانوح الجليلية)
2026.3.9



 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]