يَبْقَى الإِنْسَانُ بِطَبِيعَتِهِ كَائِنًا يَبْحَثُ عَنِ الطُّمَأْنِينَةِ؛ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ مَشاعر حَيَّةً تَتَفَاعَلُ مَعَ مَا يَدُور حَوْلَهُ، وَيَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى مَا يَمْنَحُه شُعُورَ الِاسْتِقْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ. وَالطُّلَّاب بِدَوْرِهِمْ يَعِيشُونَ هَذِهِ المَشَاعِر بِصِدْقٍ وَعُمْقٍ، وَيَتَأَثَّرُونَ بِمَا يَحْدُثُ حَوْلَهُمْ كَمَا يَتَأَثَّرُ الكِبَارُ وَرُبَّمَا أَكْثَر.
فِي أَوْقَاتِ الأَزَمَاتِ وَالظُّرُوفِ غَيْرِ المُسْتَقِرَّةِ، يَتَعَرَّضُ شُعُورُ الأَمَانِ لَدَى الطُّلَّابِ لِلِاهْتِزَازِ. فَالْمَدْرَسَةُ مَسَاحَةٌ يَوْمِيَّةٌ تَمْنَحُهُمُ الإِيقَاعَ الَّذِي تَنْتَظِمُ بِهِ حَيَاتُهُمْ. وَعِنْدَمَا يَتَوَقَّفُ هَذَا الإِيقَاعُ فَجْأَةً، يَتَسَلَّلُ القَلَقُ إِلَى تَفَاصِيلِ يَوْمِهِمْ.
وَهُنَا يَبْرُزُ التَّعَلُّمُ عَنْ بُعْدٍ، إِنَّهُ مُحَاوَلَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ لِإِبْقَاءِ الخَيْطِ الَّذِي يَرْبِطُ الطَّالِبَ بِعَالَمِهِ الطَّبِيعِيِّ. فَعِنْدَمَا تُفْتَحُ الشَّاشَةُ وَيَبْدَأُ اللّقاء، لَحْظَة يَسْتَعِيدُ فِيهَا الطَّالِبُ جُزْءًا مِنْ تَوَازُنِهِ. الوُجُوهُ المَأْلُوفَةُ تَعُودُ لِتَمْلَأَ المَشْهَدَ، وَأَصْوَاتُ المُعَلِّمِينَ تَصِلُ كَرَسَائِلَ طُمَأْنِينَةٍ خَفِيَّةٍ تَقُولُ لِلطَّالِبِ إِنَّ الحَيَاةَ، رَغْمَ اضْطِرَابِهَا، مَا زَالَتْ تَسِيرُ.
فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الصَّغِيرَةِ، يَتَرَاجَعُ شُعُورُ العُزْلَةِ قَلِيلًا، وَيَسْتَعِيدُ الطَّالِبُ إِحْسَاسَهُ بِأَنَّهُ مَا زَالَ جُزْءًا مِنْ مُجْتَمَعٍ يَتَعَلَّمُ وَيَتَفَاعَلُ وَيُوَاصِلُ الطَّرِيقَ. فَالتَّعَلُّمُ هنا يَمْنَحُ شُعُورَ الِاسْتِمْرَارِ؛ ذَلِكَ الشُّعُورُ العَمِيقُ بِأَنَّ المُسْتَقْبَلَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ حُدُودِ الأَزْمَةِ.
كَمَا يُتِيحُ التَّعَلُّمُ عَنْ بُعْدٍ مَسَاحَةً لِلتَّوَاصُلِ الإِنْسَانِيِّ بَيْنَ الطُّلَّابِ، حَيْثُ يُشَارِكُونَ أَفْكَارَهُمْ وَمَشَاعِرَهُمْ وَيَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا وَحْدَهُمْ فِي مُوَاجَهَةِ القَلَقِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَتَحَوَّلُ المُعَلِّمُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ نَاقِلٍ لِلْمَعْرِفَةِ؛ يُصْبِحُ حُضُورًا دَاعِمًا يَزْرَعُ الطُّمَأْنِينَةَ وَيُعِيدُ بِنَاءَ الثِّقَةِ فِي نُفُوسِ طُلَّابِهِ.
وَرَغْمَ أَنَّ التَّعْلِيمَ الوُجَاهِيَّ يَبْقَى الأَكْثَرَ ثَرَاءً مِنْ حَيْثُ التَّفَاعُلِ المُبَاشِرِ، فَإِنَّ التَّعَلُّمَ عَنْ بُعْدٍ يُثْبِتُ فِي أَوْقَاتِ الأَزَمَاتِ أَنَّهُ جِسْرٌ حَقِيقِيٌّ لِلطُّمَأْنِينَةِ، يَحْفَظُ التَّوَازُنَ النَّفْسِيَّ وَالعَاطِفِيَّ لِلطُّلَّابِ، وَيَمْنَحُهُمْ رِسَالَةً هَادِئَةً لَكِنَّهَا عَمِيقَةٌ: أَنَّ الحَيَاةَ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ ظُرُوفُهَا، قَادِرَةٌ دَائِمًا عَلَى الِاسْتِمْرَار.
[email protected]
أضف تعليق