بقلم: رانية مرجية
في الشعر الفلسطيني داخل الوطن، تتباين الأصوات بين من يكتب تحت وطأة الحدث، ومن يكتب تحت وطأة الذات. غير أن تجربة ليليان بشارة منصور تنتمي إلى مساحة أعمق، حيث يتحوّل الضغطان معًا إلى نسيج لغوي متماسك. ليست شاعرة انفعال، بل شاعرة تأمّل؛ لا ترفع القصيدة كراية، بل تبنيها كبيت.
الذاكرة في نصوصها ليست موضوعًا، بل آلية اشتغال. هي لا تستدعي الماضي لتبكيه، بل لتعيد ترتيبه داخل وعيٍ جديد. لذلك تبدو قصيدتها وكأنها تحفر في الطبقات السفلى للمعنى: الطفولة لا تظهر كحنين ساذج، بل كجذرٍ معرفي؛ والوطن لا يحضر كشعار، بل كإحساسٍ متجدد يتسرّب عبر التفاصيل الصغيرة — نافذة، شرفة، ظلّ شجرة، ترابٌ يغتسل في استعارة مشبعة بالدلالة.
المكان عندها ليس إطارًا جامدًا، بل كائنًا حيًا يتحاور مع الذات. حيفا والجليل والبحر لا تُذكر كجغرافيا، بل كحالات وجودية. في هذا السياق يتشكّل توترٌ خفي بين الانتماء والاغتراب، بين الثبات والتحوّل. التراب يرمز إلى الجذر والجرح معًا، والماء إلى الاستمرار رغم التصدّع، والضوء إلى وعدٍ مؤجّل لا ينطفئ. هذه العناصر لا تعمل كزخرفة بل كبنية داخلية تنظّم الإيقاع والدلالة.
ومن اللافت أن صوتها الأنثوي لا يأتي بوصفه احتجاجًا مباشرًا، بل حساسية واعية تجاه العالم. المرأة في قصيدتها ليست استعارة بل ذات كاملة، تعيش القلق والحب والخوف والأمل، دون ادّعاء أو خطابية. الخاص يتحوّل إلى مرآة للجمعي، والحميمي يصبح مدخلًا إلى سؤال الوجود الأوسع.
أما لغتها، فتقوم على اقتصادٍ محسوب. الجملة الشعرية لديها متدفقة، واضحة دون مباشرة، رمزية دون غموض مفتعل. الصورة تنمو بهدوء، وتكشف طبقاتها تدريجيًا، ما يمنح النص قابلية إعادة القراءة. قصيدتها لا تصدم، بل تتسرّب؛ لا تعتمد على الذروة الصاخبة، بل على التراكم البطيء للأثر.
إن أهمية تجربة ليليان بشارة منصور تكمن في قدرتها على الموازنة بين الجمالي والوطني، بين التأملي والإنساني. إنها لا تؤرّخ الألم، بل تعيد صياغته في لغة قابلة للحياة. وفي زمن يعلو فيه الصخب، تختار أن يكون الشعر فعل إصغاء. وربما في هذا الاختيار تحديدًا تكمن قوة حضورها وفرادتها في المشهد الشعري الفلسطيني المعاصر
[email protected]
أضف تعليق