دخلت المجال وهي تحمل يقينًا مريحًا: الصحافة تعلّم قول الحقيقة، وعلم النفس يقدّم مفاتيح لفهم الإنسان. كانت تعتقد أن المعرفة تمنحها موقعًا أعلى قليلًا من الفوضى، وأن كل سلوك يمكن تفسيره، ثم تهذيبه، ثم تحسينه.



لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة.



في أحد الأيام، جلس طفل في الزاوية يضرب رأسه بالحائط. لم يكن المشهد دراميًا كما في الأفلام، ولم يكن صاخبًا كما قد يُتخيل. كان صوتًا مكتومًا متكررًا، وجسدًا صغيرًا يعاقب نفسه لأن العالم داخله أعلى من احتماله.



قيل ببرود مهني:

“هذا سلوك عدواني انسحابي. يحتاج تعديلًا.”



تلك الجملة لم تكشف حالة الطفل.

كشفت النظام كله.



كم مرة نحتمي بالمصطلحات لأننا لا نحتمل رؤية الألم عاريًا؟

كم مرة نسمّي الانهيار “سلوكًا” كي لا نسمّيه وجعًا؟



اقتربت وجلست على الأرض. لم تكن بطلة، ولم تكن واثقة تمامًا مما تفعل. لأول مرة، لم تكن الشهادات درعًا. لم يحدث شيء فوري. لم تتوقف الضربات فجأة. لم تتحقق معجزة.

لكن الصوت خفّ تدريجيًا…

ليس لأن الطفل “تعدّل”،

بل لأنه لم يعد وحده.



هناك انكسر وهم خطير:

نحن لا نعمل دائمًا من أجلهم.

أحيانًا نعمل لنُشعر أنفسنا أننا مسيطرون.



الأنظمة التعليمية تريد أطفالًا قابلين للإدارة.

المجتمع يريد اختلافًا غير مرئي.

الأهالي يريدون وعدًا بالتحسّن.

والمؤسسات تريد تقارير تقدّم.



لكن الطفل؟

الطفل يريد فقط عالمًا أقل قسوة على جهازه العصبي.



تدريجيًا، بدأت ترى ما لا يُقال.

نحن لا نخاف إعاقتهم بقدر ما نخاف عجزنا أمامها.

لا يزعجنا اختلافهم… يزعجنا أننا لا نستطيع قياسه بأدواتنا المعتادة.



في يومٍ ما، سألتها أمّ بصوتٍ مكسور:

“هل سيصبح مثل بقية الأطفال؟”



لم يكن السؤال عن المهارات.

كان عن القبول.

عن مكانٍ آمن في مجتمعٍ لا يرحم المختلفين.



وكان الجواب الصادق مؤلمًا:

ربما لن يصبح “مثلهم”.

لكن ربما المشكلة ليست فيه.



سقطت فكرة “التأهيل” بوصفها هدفًا مطلقًا.

التأهيل مهم.

التدخلات ضرورية.

الدعم واجب.



لكن الأخطر أن تتحول كل تلك الجهود إلى مشروع تطبيع قسري.

أن يصبح الهدف:

اجعلوه أقل إزعاجًا.

أكثر هدوءًا.

أكثر شبهًا بنا.



وهنا تغيّر السؤال جذريًا.

لم يعد: كيف نعدّل الطفل؟

بل: لماذا نصرّ على أن يكون مطابقًا؟



الحقيقة الجارحة أن بعض الألم الذي يعيشونه ليس بيولوجيًا فقط.

جزء منه اجتماعي.

جزء منه ناتج عن بيئة لا تفهم الاختلاف إلا كخلل.



لم تعد ترى نفسها منقذة.

بل شاهدة.



شاهدة على نظام يريد نتائج سريعة.

شاهدة على أسرٍ مرهقة تخاف المستقبل.

شاهدة على أطفالٍ يقاتلون يوميًا ليبقوا متّزنين في عالمٍ صاخب.



وفي النهاية، لم يكن الدرس عنهم فقط.



الإعاقة ليست الفضيحة.

الفضيحة هي ضيق أفقنا.



ليست المأساة أن يولد طفل بجهاز عصبي مختلف.

المأساة أن نطالبه أن يعتذر عن ذلك طوال حياته.



وفي كل مرة يُقال فيها “اضبطوا سلوكه”،

يبقى السؤال معلّقًا، بلا راحة:



من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]