أنا زهير دعيم ؛ ابن عبلّين الجميلة التي تشبه الخالّ القابع على خدّ الجليل ، حيث الحجر يحكي ، والزّيتون يعرف أسماءَنا واحدًا واحدًا ..
أنا ابن المكان الذي علّمني أن أكون واسعًا كالأُفق ، وثابتًا كما الجذور ، ولطيفًا كنسمة المساء حين تعود مُتعبةً من حقول
النّهار ...
اثنتان وسبعون صفحة مرّت من كتاب عمري ..
لم تكن أرقامًا باردةً ، بل فصولًا مكتوبة بالعَرَق والدموع مرّةً وأخرى بالفرح ، وبإيمان لم يساوم مرّة وبمحبّة لم تتعلّم الكراهية ..
منذ الصّفحة الأولى امسكت الحرف لا كسكّين ، بل كجرحٍ مفتوحٍ على الأملِ ، مكشوفٍ على الرّجاء ، فقد علّمتني الكلمةُ أنْ أكون شاهدًا لا قاضيًا ، وأن أكتبَ للإنسان ؛ كلّ انسان ..
..... للطّفل الذي يبحثُ عن قصّة تشبهه ، وللكبير الذي نسي انّ في داخله طفلًا ينتظرُ من يوقظه بلطف ..
أربعة وثلاثون اصدارًا حتى اليوم لم تكن غاية ، بل محطّات استراحة في رحلةٍ أطول .... في كلّ كتاب كنت أترك جُزءًا من قلبي ، وأحمل معي أسئلةً جديدةً لانّ الكاتبَ الحقيقيّ لا يصل بل يظلّ في الطّريق..
كتبتُ للكبار كي لا ينسوا ، وكتبتُ للصّغار كي يتذكّروا باكرًا ، فقد آمنتُ وما زلت اؤمنُ أنّ الأدبَ ليس ترَفًا بل مسؤولية ، وأنّ القصّةَ قد تكون يدًا تمسحُ خوفًا أو نافذةً تُفتحُ في جِدار مسدود ، او نورًا يقودنا الى السّماء .
الربّ يعلم بأنّني لم أكتبْ لأُصفّق لنفسي ، ولا لأبني تمثالًا من ورقٍ ، بل لأقولَ وبالفمِ الملآن :
نحن هنا نُحبُّ في هذا العالم ، ونتألّم ونحلم ، ونؤمن انّ الحياةَ تستحقُّ الحياة !!!
محبتي لم تكن يومًا انتقائيةً ، فلم أسأل يومًا ما انسانًا عن اسمه ، ولا عن معتقده ولا عن لونه ، بل كنت وما زلتُ أراه انسانًا على صورة الله ، أحبَّهُ يسوعُ الحُلو وماتَ لأجلِه ..
لا أخفي عليكم بأنّ محبةَ يسوع كانتْ وما زالت حبرًا خفيًّا في كلّ ما كتبتُ، ونورًا لا يفرض نفسه ، لكنه يكشف الطريق لمن يريد أن يرى .. نعم علّمتني هذه المحبّة أن أغفر سبع مرّاتٍ سبعين مرّة وأن أحبّ مليون مرّة ، وأن انظرَ الى السماء في كل صباح وكل مساء والقلب ساجد في خشوع ..
عبلّين لم تكن مجرد عنوان بل كانت المعنى ، منها تعلّمت – كما تعلّمت من جذوري الجميلة ومن والديّ واخوتي وخاصّة من اخي الكاتب المرحوم الاستاذ سمعان دعيم وأخي الزجّال الرائع المرحوم عيد دعيم – تعلّمت أن الهويّةَ ليستْ صراخًا بل ثباتًا ، وأنَّ الانتماءَ لا يُقاسُ بعلو الصّوت بل بصدقِ الموقف .
في اثنتين وسبعين صفحة تعثرْتُ هنا ..نعم وتعبتُ هناك ، وشككتُ أحيانًا ، ولكنّني لم أتركِ القلمَ يسقطُ من يدي ، لأنّني كنتُ أعرف أنّ هناك من ينتظر كلمةً ، ومَن يحتاجُ قصةً ، ومن يرى في الحرف خلاصًا صغيرًا ..
اليوم وأنا استبقُ الزّمنَ لا أكتبُ وداعًا ، بل اكتب امتنانًا لكلّ يدٍ صافحتني ، ولكلِّ عينٍ قرأتني ، ولكلّ قلبٍ وجدَ نفسَه بين سطوري ..
وبعد ؛
إن كان لي أن أختصرَ هذه الصّفحات كلّها فسأقول : حاولْتُ أن أكونَ أمينًا للكلمةِ وللإنسانِ وللمحبّةِ والاهمّ لخالق الاكوان ..
كنتُ وما زِلْتُ أنا .. ما دام في القلبِ نبضٌ ، وفي الحرف نورٌ، وفي الجليل زيتونةٌ تعرف اسمي ..
أنا زهير دعيم
وهذه ليست نهايةَ القصّة ، بل فاصلة محبّة في كتابٍ ما زال مفتوحًا على الايمانِ والرّجاءِ
[email protected]
أضف تعليق