قبيل الانتخابات، وفي إطار محاولة اليسار اليهودي التعافي من صدمة السنوات الأخيرة، برزت أمامه مبادرتان تثيران التفكير، الأولى إعلان عن عودة «القائمة العربية المشتركة»، والثانية دعم مئات الشخصيات البارزة في اليسار لإقامة حزب عربي يهودي جديد، في إعلان نُشر في وسائل الإعلام.

قوبلت المبادرة الأولى بعناق واسع، أما الثانية فواجهت موجة من التحفظات والشكوك، وأحيانًا أيضًا معارضة حادة، خصوصًا من جانب صانعي الرأي في اليسار العميق وفي أوساط الأحزاب العربية، ولا ننوي هنا الدفاع عن هذه المبادرة المحددة، ولا نزعم أنها بالضرورة تبشر بإطار ثنائي القومية متساوٍ، لكننا نريد استخدام النقاش العام كمحفّز للتأكيد على الحاجة إلى نضالات ثنائية القومية حقيقية في الحيز المشترك الذي يعيش فيه الشعبان.

الانتقادات الموجهة إلى مبادرة الحزب العربي اليهودي معروفة، خشية من الانقسام وهدر الأصوات، وادعاءات عن تبييض علاقات القوة بين اليهود والعرب، بل وحتى موقف أخلاقي مفاده أن على اليهود في اليسار أن يدعموا فقط الأحزاب العربية التي تمثل الأقلية المضطهدة، وهناك من رأى في هذه الخطوة مسًّا بالتضامن أو حتى تقويضًا للقيادة العربية القائمة، لكن تحت هذه الحجج تختبئ مسألة أعمق بكثير، هل اليسار، العربي واليهودي، مستعد للتخلي عن الفصل بوصفه مبدأً منظّمًا للسياسة؟

هنا يتكشف تناقض مقلق، فكثيرون في اليسار العميق يتحدثون منذ سنوات عن مستقبل متساوٍ وديمقراطي للشعبين، وبعضهم يؤيد حتى دولة واحدة ثنائية القومية على أساس المساواة، لكن عندما تطرح إمكانية إطار سياسي مشترك فعلي، إطار لا يكون مجرد إضافة تمثيلية بل شراكة كاملة ومتساوية، تُسحب سهام النقد فورًا وتُطلق نحو الهدف الجديد بسرعة قياسية.

ومن المهم التذكير بأنه عمليًا، رغم واقع قوميتين تعيشان في بلد واحد، لا يوجد في البلاد أي حزب ثنائي القومية، إذ هناك تمثيل يهودي محدود في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحتى في التجمع، وحضور عربي محدود في بعض الأحزاب الصهيونية، لكن هذا ليس ثنائية قومية جوهرية.

نحن نرحب بتجديد «القائمة المشتركة» لأن لها دورًا مركزيًا وحيويًا في تمثيل المواطنين الفلسطينيين وطرح بديل لحكم اليمين، وبالتوازي، وبصفتنا من قادة حركة السلام الثنائية القومية «أرض للجميع»، تبدو لنا فكرة حزب عربي يهودي متساوٍ محاولة مرحّبًا بها لبناء بنية سياسية مختلفة، على أن تكون هذه البنية التحتية قوية وتعترف بأن النضال من أجل الديمقراطية والمساواة والسلام ليس نضالًا بين هم ونحن، بل نضال الشعبين معًا.

والتظاهرة اللافتة التي جرت مؤخرًا في تل أبيب احتجاجًا على ترك البلدات العربية لمصيرها أمام الجريمة المنظمة وعنف قاتل، أظهرت القوة الكامنة في العمل السياسي المشترك، وهذا زخم يجب مواصلته، لأننا نرى أن حزبًا مشتركًا ومتساويًا سيكون بداية لمسار طويل الأمد يبني لغة وتفكيرًا قائمين على المساواة، بما يشع على البلاد كلها ويتحدى أنماطًا قديمة من الفصل والتفوق الإثني والطبقي.

مبادرو الحزب الجديد أوضحوا بالفعل أنهم لن يخوضوا الانتخابات إذا نشأ خطر حقيقي لفقدان أصوات، وإضافة إلى ذلك تحتاج الديمقراطية الحية إلى تعدد أصوات وطرق عمل يمكن أن تتعايش بالتوازي، والسؤال ليس فقط عدد المقاعد في الكنيست، بل أي أفق سياسي نقترح، وهذا الأفق لا يمكنه تجاهل الواقع، فالنظام الذي بنته إسرائيل يقوم منذ عقود على مبادئ فصل عنصري، فصل إثني، تفوق يهودي، وتمييز مؤسسي بنيوي، وفي شكلها الأقصى قادت أيديولوجيا الفصل إلى حصار غزة وتعاظم قوة حماس ومجزرة 7 أكتوبر وحملة الإبادة في غزة، وإلى عمليات التطهير الإثني الجارية في الضفة الغربية والنقب، ومع ذلك في أشكال أكثر ليونة يستمر مبدأ الفصل أيضًا في قلب مركز اليسار الليبرالي الذي يواصل الحديث عن الديمقراطية وفي الوقت نفسه يجد صعوبة في دمج المواطنين العرب بوصفهم متساوين في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الحكم والسياسة.

وهكذا يتشكل وضع يُحاصر فيه الفلسطينيون، مواطنو إسرائيل وسكان الأراضي معًا، داخل جيوب سياسية ومكانية وثقافية، وفي مواجهة الاستقطاب والفصل فإن التركيز الحصري على تعزيز الأحزاب العربية، مهما كانت أهميته، يكرس فعليًا نوعًا من الغيتوهات السياسية، وهذه حقيقة مريحة جدًا للحكم القومي اليهودي لأنها ترتبط بالتنازل عن تفكيك الحدود العنصرية التي أنشأها ذلك الحكم.

حتى التجربة الدولية تُظهر أن الحركات المشتركة، رغم أنها تكون أحيانًا صغيرة، تشكل عنصرًا مركزيًا في الخروج من نزاعات مرة وعميقة، ففي أماكن قامت فيها أطر تخطّت الخطوط الإثنية مثل إيرلندا الشمالية ورواندا وجنوب أفريقيا والبوسنة انفتح مجال للمصالحة والاعتراف المتبادل وبناء مستقبل مدني مشترك، في حين أن التمسك بهويات سياسية منفصلة لم يفعل سوى تعميق الاستقطاب وقيادة العنف.

نحن مقتنعون بأن مستقبل البلاد بين النهر والبحر هو مستقبل ثنائي القومية، فبين الأردن والبحر يعيش شعبان متشابكان أحدهما بالآخر، والحل الوحيد الذي يلوح في الأفق هو تسوية تقوم على دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبًا إلى جنب ضمن الحدود الدولية، في إطار كونفدرالي يضمن تقرير مصير سيادي للشعبين، وبين الدولتين ستتبلور تدريجيًا شراكة عميقة في الحياة اليومية، وستقوم في القدس عاصمة مشتركة، وفي نهاية المطاف سيصبح ممكنًا ضمان حرية الحركة للجميع في أنحاء البلاد كلها، لكن مثل هذا الأفق لن يولد من اتفاقات سياسية فقط، فهو يتطلب تغييرًا في الوعي وفي السياسة، ولهذا يجب إنشاء أطر مشتركة ثنائية القومية منذ الآن.

وعشرات المنظمات في المجتمع المدني على الأرض تشكل بنية أولية لهذا الاتجاه الثنائي القومية، وقد حان الوقت كي تنضم الساحة السياسية أيضًا، لأن الحزب الثنائي القومية ليس تهديدًا لليسار، بل هو فرصة واختبار لشجاعته، ودعوة لابتكار أشكال جديدة وضرورية من الشراكة والمسؤولية، من أجل الوصول إلى مستقبل مختلف وعادل للوطن المشترك.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]