لم تكن القرية بحاجة إلى اسم.
كانت مكتفيةً بتكرارها.
مكانٌ يتشابه فيه كل شيء حتى يكاد الزمن نفسه يدور في حلقةٍ مغلقة. البيوت مصطفّة بانتظامٍ هندسي، كأنها خضعت لسلطة مسطرةٍ صارمة. النوافذ بارتفاعٍ واحد، الأبواب بلونٍ واحد، الحدائق لا تنبت إلا ما اعتادت عليه الذاكرة الزراعية جيلاً بعد جيل. حتى اللغة اليومية بدت متشابهة: عبارات جاهزة، أمثال محفوظة، يقينٌ لا يتعرض للاختبار.
في تلك القرية، لم يكن الخوف صاخبًا، بل مهذبًا.
لم تكن هناك قوانين تمنع الاختلاف، ولا خطبٌ تحذّر منه. كان النظام يعمل بصمت: نظرة استغراب، ابتسامة مشوبة بتحفّظ، دعوةٌ لا تصل. وهكذا، يتحوّل الامتثال إلى فضيلة، والتكرار إلى فضاءٍ آمن.
كان الاعتقاد السائد بسيطًا:
ما دام كل شيء يشبه ما كان عليه بالأمس، فإن الغد مضمون.
لكن الاستقرار الذي يقوم على التشابه وحده، استقرارٌ هشّ أمام أول تحوّل عميق.
على أطراف القرية، حيث تخفّ كثافة العيون، عاش أربعةٌ وعشرون شخصًا لم يفلحوا في أن يكونوا نسخًا متطابقة. لم يجتمعوا في جماعة، ولم يحملوا لافتة. كانوا أفرادًا، لكن ما جمعهم كان أعمق من التنظيم: حساسية تجاه الممكن.
أحدهم كان يرسم وجوهًا بألوانٍ غير مألوفة. لم يكن يسعى إلى إثارة صدمة، بل إلى توسيع مساحة الرؤية. كان يرى في اللون احتمالاً، وفي الاحتمال حياة. غير أن الجدار في القرية لم يكن مجرد سطحٍ للرسم، بل رمزًا للثبات. وأي لونٍ خارج المألوف بدا تهديدًا ضمنيًا للنظام.
امرأةٌ أخرى كانت تستورد بذورًا من أراضٍ بعيدة، وتزرع نباتاتٍ تقاوم الجفاف وتغوص جذورها عميقًا في التربة. بدا فعلها مغامرة غير ضرورية في أرضٍ اعتادت نمطًا زراعيًا واحدًا. لم يسأل أحد: ماذا لو تغيّر المناخ؟ ماذا لو لم تعد المواسم وفية؟
شابٌ كان يمضي لياليه في مراقبة الريح. لم يكن شاعرًا، بل صانعًا. كان يرى في العاصفة طاقةً كامنة. يصنع دواليب صغيرة، يجرب، يفشل، يعيد المحاولة. سخر البعض من محاولاته: “الريح تهدم ولا تبني”. لم يخطر ببالهم أن الهدم والبناء قد يكونان وجهين لطاقة واحدة.
وامرأةٌ كانت تقرأ للأطفال قصصًا لا تشبه ما اعتادوه. كانت تحكي عن مدنٍ تتعدد فيها اللغات، وعن بشرٍ يختلفون في الشكل والفكر ويعيشون معًا. لم تكن تزرع تمرّدًا، بل تعلّمهم أن العالم أكبر من سور القرية. لكن الاتساع في مجتمعٍ مغلق يُقرأ كتهديد.
لم يكن المختلفون ثوارًا بالمعنى الصاخب للكلمة. كانوا يعيشون حياةً عادية، لكنهم يوسّعون حدودها قليلًا. ومع كل توسّع، كانوا يدفعون ثمنًا اجتماعيًا صامتًا: عزلة خفيفة، سوء فهم متكرر، شعور دائم بأنهم زائدون عن الحاجة.
ثم جاء الصيف الذي اختبر كل شيء.
تأخرت الأمطار حتى صار الانتظار قلقًا. جفّت الآبار تدريجيًا، لا دفعةً واحدة، بل ببطءٍ مخيف. اشتدت الرياح وتحولت إلى عواصف متتابعة، تقتلع الأسقف وتكسر الأشجار. الأرض التي طالما استجابت للمحراث صارت أكثر صلابة، والسماء أقل قابلية للتنبؤ.
لم تعد العبارات الموروثة كافية لتفسير ما يحدث.
اجتمع أهل القرية في الساحة الكبرى، يتبادلون الحيرة. بدا واضحًا أن الطرق القديمة لا تصلح لأزمةٍ جديدة. في لحظات كهذه، يبدأ المجتمع – رغمًا عنه – في الالتفات إلى ما كان يضعه في الهامش.
تقدّم صانع الدواليب بفكرته:
أن نكفّ عن مقاومة الريح، وأن نحوّلها إلى مصدرٍ للطاقة.
لم تكن المسألة تقنية فحسب، بل تحوّلًا في الذهنية.
أن تعيد تعريف العدو.
أن ترى في ما يهددك إمكانيةً للنجاة.
عمل مع من كانوا يسخرون منه بالأمس. تعلّموا كيف تتحول الفكرة إلى نموذج، والنموذج إلى آلة، والآلة إلى مورد. وحين ارتفع الماء من البئر العميقة مدفوعًا بطاقة الريح، لم يكن ذلك إنجازًا هندسيًا فقط، بل لحظة مراجعة أخلاقية: الاعتراف بقيمة ما استُبعد.
المرأة التي زرعت البذور البعيدة كشفت عن نباتاتٍ تتحمل القحط. امتدت جذورها في الأرض كما لو أنها تجسّد فلسفة كاملة: البقاء ليس في التمسك بالسطح، بل في تعميق الصلة بالأرض. تحوّلت الحقول تدريجيًا، لا إلى معجزة، بل إلى استجابة ذكية للواقع الجديد.
قارئة القصص، في ليالي العواصف، صارت ضرورة. كان الأطفال يجتمعون حولها، يستمعون إلى حكايات عن مجتمعاتٍ نجت لأنها تعلّمت أن تتغيّر. لم تكن القصص ترفًا، بل تدريبًا نفسيًا على التكيّف. من يمتلك خيالاً واسعًا، يمتلك قدرةً أعلى على الاحتمال.
أما الرسام، فقد غطّى التشققات بلوحاتٍ لا تنكر الأزمة، لكنها ترفض أن تختزل القرية فيها. رسم مشاهد لحقولٍ جديدة، لدواليب تدور، لأطفالٍ ينظرون إلى الأفق. لم يكن يجمّل الواقع، بل يعيد صياغته سرديًا. والسرد، في أوقات الأزمات، ليس أقل أهمية من الماء.
لم تنتهِ الأزمة بسرعة، ولم تختفِ الخلافات. لكن شيئًا عميقًا تبدّل في بنية الوعي الجماعي.
أدركت القرية أن التماثل الذي ظنّته مصدر قوتها كان في الحقيقة نقطة ضعفها. وأن المختلفين لم يكونوا خللًا في النظام، بل مخزونًا من البدائل. أن المجتمع الذي لا يجرّب، لا يتعلم. والذي لا يسمح بالهامش، يفقد مركزه تدريجيًا.
صار يُشار إليهم بوضوح: “المختلفون 24”.
لا كفئةٍ معزولة، بل كجزءٍ حيوي من النسيج العام.
ومع مرور الوقت، لم يعد الرقم دقيقًا.
كل من تجرأ على اقتراح حلٍ غير مألوف،
كل من رفض أن يختزل نفسه في دورٍ ورثه دون سؤال،
كل من آمن أن التغيير ليس خيانةً للماضي بل تطويرًا له،
انضمّ – بصمت – إلى القائمة.
لم تتخلّ القرية عن تقاليدها، لكنها أعادت تعريفها.
فالتقليد الذي لا يقبل المراجعة يتحول إلى عبء،
أما الذي يتفاعل مع التحوّل فيصبح ذاكرةً حيّة.
في النهاية، لم تكن الحكاية عن أربعةٍ وعشرين شخصًا.
كانت عن مجتمعٍ تعلّم – تحت ضغط العاصفة – أن الاختلاف ليس خطرًا يجب احتواؤه، بل أفقًا يجب استكشافه.
اكتشفت القرية أن الريح التي كانت تهدم أسقفها،
يمكن أن ترفع ماءها.
وأن المختلفين،
لم يكونوا خارج السرد،
بل كانوا مستقبله الممكن
[email protected]
أضف تعليق