لم تعد الثقافة، في كثير من تجلياتها المعاصرة، مجالًا للمساءلة أو اختبارًا للحدود، بل تحوّلت إلى منظومة متقنة لإدارة المعنى. منظومة لا تهدف إلى إنتاج القلق، بل إلى احتوائه؛ لا إلى فتح الأسئلة، بل إلى تدويرها حتى تفقد حدّتها. هكذا، لا تختفي الثقافة، لكنها تفقد وظيفتها الأكثر جوهرية: أن تكون فعلًا مقلقًا.
تبدو الحركة الثقافية، للوهلة الأولى، نشطة ومزدهرة. أمسيات لا تنقطع، كتب تُصدر بانتظام، معارض تُفتتح، وبيانات تُعلن عن “لحظات مفصلية” تتكرر بلا نهاية. غير أن هذه الكثافة تخفي فراغًا بنيويًا: نشاطًا لا يتراكم، وحضورًا لا يتحول إلى أثر. فالثقافة، هنا، تتحرك كثيرًا كي لا تضطر إلى التقدّم.
في هذا السياق، يُعاد تعريف الإبداع بوصفه مهارة في التكيّف. يُكافأ العمل القادر على الإيحاء دون التصريح، والنقد دون التسمية، والتجريب دون المخاطرة. الذكاء لا يُقاس بقدرته على الكشف، بل بحساسيته تجاه الخطوط غير المرئية التي لا ينبغي تجاوزها. وهكذا، يتحول الإبداع من فعل اقتراح إلى تمرين في ضبط النفس.
المبدع الشاب يُستقبل دائمًا بوصفه احتمالًا مؤجَّلًا. يُنصح بالانتظار، بالتعلّم، بفهم “السياق”. غير أن هذا السياق لا يُعرَّف بدقة، لأنه في جوهره ليس معرفة بل شبكة علاقات وحدود. النضج، في هذا الإطار، لا يعني تعميق الصوت، بل تليينه؛ لا يعني الذهاب أبعد، بل الوقوف في المكان المناسب.
الكتاب، بوصفه تجربة فكرية، لم يعد في مركز الفعل الثقافي. تُقاس قيمته بمدى تداوله، لا بمدى ما يزعزعه. تُناقش صور أغلفته أكثر مما تُقرأ نصوصه، ويُحتفى بصدوره بوصفه حدثًا اجتماعيًا لا مواجهة فكرية. القراءة البطيئة، بما تتطلبه من صبر ومجازفة، تُستبدل باستهلاك سريع للمعنى الجاهز.
أما النقد، فقد فقد جزءًا كبيرًا من طاقته التحليلية لصالح لغة حذرة، متقنة، لكنها مفرغة من المخاطرة. تُكتب النصوص النقدية وكأنها تمشي على أرض رخوة: كل خطوة محسوبة، كل تسمية مؤجلة. لم يعد الخوف من السلطة المباشرة، بل من القرب الشديد داخل المشهد نفسه، حيث يصبح الاختلاف تهديدًا للموقع لا حافزًا للفكر.
في الفنون البصرية، يُعاد إنتاج المنطق ذاته عبر تمجيد الغموض بوصفه قيمة مستقلة. العمل الذي لا يقول شيئًا محددًا يُقدَّم باعتباره مفتوحًا، بينما يُنظر إلى السؤال عن المعنى كقصور في التلقي. هكذا، يُعفى العمل من مسؤوليته، ويُلقى عبء الفهم كاملًا على المتلقي، في عملية تُفرغ الفن من أي التزام دلالي.
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في ترسيخ هذا المشهد. فهي لا تُنتج الثقافة، لكنها تُعيد ترتيب شروط ظهورها. ما لا يُوثَّق لا يُحسب، وما لا يُتداول لا يُناقش. يتحول الحضور البصري إلى بديل عن الأثر، والتفاعل السريع إلى بديل عن التفكير المتأني. الثقافة، في هذا الإطار، لا تُبنى، بل تُعرَض.
والمفارقة أن تشخيص الأزمة يكاد يكون محل إجماع. الجميع يتحدث عن “أزمة ثقافية”، لكن هذه التسمية المتكررة فقدت قدرتها على الإزعاج. فحين تتحول الأزمة إلى خطاب مستقر، تصبح جزءًا من آلية الاستمرار، لا دافعًا للتغيير.
المشكلة، في جوهرها، ليست في نقص الحرية، بل في تآكل الرغبة في استخدامها.
ليست في غياب الأصوات، بل في تشابه نبرتها.
وليست في المنع، بل في الاعتياد.
الثقافة التي تتخلى عن قدرتها على المخاطرة،
قد تحافظ على حضورها المؤسسي،
وقد تتقن لغة الاستمرار،
لكنها تفقد شيئًا لا يمكن تعويضه: ضرورتها.
والثقافة التي لا تكون ضرورة،
قد تكون نشطة،
وقد تكون أنيقة،
لكنها، في النهاية،
لا تكون مؤثرة.
[email protected]
أضف تعليق