في كل مرة يُعقد فيها اجتماع “طارئ” لمواجهة العنف والجريمة في المجتمع العربي، تتكرر الصورة ذاتها: طاولات مكتملة، خطابات حازمة، وقرارات تُتخذ باسم الجميع. لكن سؤالًا واحدًا يغيب عن النقاش: أين النساء؟

غيابهن لا يُطرح كخلل يستحق المراجعة، بل يُبرَّر بسرعة بعبارة مألوفة: “ليس هذا وقت نقاشات جانبية”. هكذا، وباسم الخطر، يُقصى نصف المجتمع عن طاولة القرار، فيما يُطلب منه أن يتحمّل النتائج.

هذا الغياب لا يحدث صدفة، بل هو جزء من طريقة إدارة الأزمة نفسها. تُختزل مكافحة العنف في اجتماعات مغلقة، ولجان صلح تقليدية، وأطر يغلب عليها الحضور الذكوري. وحين تُثار مسألة مشاركة النساء، لا تُناقَش بجدّية، بل يُنظر إليها كتشويش على “المعركة الأساسية”، وكأن العدالة والشمولية يمكن تأجيلهما إلى وقت لاحق.

المفارقة أن هذا الإقصاء يُقدَّم غالبًا كخيار “واقعي” يهدف إلى الحفاظ على وحدة الصف. لكن التجربة تقول إن المجتمعات التي تُدير أزماتها بعقلية مغلقة تعيد إنتاج البُنى نفسها التي فشلت أصلًا في توفير الأمان. فالإقصاء، حتى حين يُغلَّف بلغة الحكمة والمسؤولية، لا يصنع حلولًا، بل يوسّع دائرة الصمت ويُضعف القدرة على المواجهة.

في هذا السياق، تشرح الباحثة الفلسطينية روضة كنانة في كتابها "ولادة الامة " كيف تتحول القضايا الجماعية الكبرى إلى فضاءات يهيمن عليها الحضور الذكوري. تُستدعى النساء كرمز للصبر والتضحية، وكأمهات وحاضنات للنسيج الاجتماعي، لكن يُستبعدن عن المشاركة الفعلية في صناعة القرار. يُطلب منهن التحمل باسم “المصلحة العامة”، لا المشاركة في تعريفها.

هذا التحليل لا يبقى حبيس الكتب. على أرض الواقع، النساء في مجتمعنا هنّ من يتحملن العبء الأكبر للعنف: في البيوت، في تربية الأبناء وسط الخوف، في القلق اليومي على سلامة العائلة، وفي محاولة الحفاظ على حياة طبيعية في واقع غير آمن. خبرتهن ليست موقفًا عاطفيًا ولا زاوية هامشية، بل معرفة عملية نابعة من تماس مباشر مع آثار الجريمة والعنف.

الأخطر من الغياب نفسه هو إسكات من ينتقده. فحين تُثار أسئلة حول تمثيل النساء، يُقال إن “الوقت غير مناسب”، وإن فتح هذا النقاش قد “يُضعف الجبهة الداخلية”. هكذا يتحول النقد إلى تهديد، ويُفرض الصمت باسم النضال، بينما يُترك جوهر المشكلة بلا معالجة.

باحثون وباحثات في قضايا العنف يؤكدون أن تغييب النساء عن دوائر اتخاذ القرار لا يضعف فقط الاستجابة المجتمعية، بل ينعكس سلبًا على شعور الأمان داخل البيوت، ويقوّض أي محاولة لبناء حماية حقيقية ومستدامة. فمواجهة الجريمة لا تكون فقط بملاحقة الفاعلين أو بتكثيف الاجتماعات، بل أيضًا بمراجعة طريقة صنع القرار نفسها، ومن يُسمح له بالمشاركة فيها.

ويأتي هذا النقاش في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالِبة بالأمان، وتتكاثر فيه المبادرات والاجتماعات لمواجهة العنف، ما يجعل سؤال الشمولية في اتخاذ القرار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

مكافحة العنف ليست إدارة أزمة عابرة، ولا سباقًا مع الوقت فقط، بل اختبار حقيقي لطريقة تفكيرنا ومنهج عملنا. إشراك النساء ليس إضافة شكلية ولا مطلبًا مؤجلًا إلى “وقت أنسب”، بل عنصر أساسي في أي مسار جاد يسعى إلى الأمان والعدالة معًا.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح ليس إن كنّا نرفض العنف، بل كيف نواجهه، ومن نسمح له أن يكون جزءًا من هذه المواجهة. فهل نريد فعلًا محاربة العنف، أم نكتفي بإدارته بعقلية تُقصي نصف المجتمع عن التفكير وصناعة القرار؟

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]