كتب: محمود ياسين
هل شاهدتم ذئباً في البراري يأكل أخاه؟
هل شاهدتم يوماً كلباً عض يداً ترعاه؟
هل شاهدتم فيلاً يكذب يسرق يشهد زوراً ينكر حقاً يفشي سراً يمشي مغروراً بأذاه؟!!...
كنا صغاراً حين كنا نردد هذه الكلمات. كلمات المسلسل الكرتوني (سيمبا)، نظنها مجرد نشيد كرتوني، ولم نكن نعلم حينها أنها درس مبكر، وانها تحذير مؤجل لزمن قادم.
بهذه الكلمات البسيطة، تربى جيل كامل من الأطفال على أسئلة أخلاقية بدت في ظاهرها موجهة إلى عالم الحيوان، لكنها في حقيقتها كانت مرآة مبكرة لسلوك الإنسان.
في تلك السنوات، بدت الأسئلة بعيدة عن واقعنا، أقرب إلى الخيال الكرتوني منها إلى الحياة اليومية. كنا نرددها دون إدراك لمعناها، غير مدركين أنها لم تكن مجرد نشيد للأطفال، بل تحذير مؤجل لزمن نعيشه اليوم.
في عالم الحيوان، تحكم الغرائز حدود السلوك؛ لا كذب متعمداً، ولا خيانة محسوبة، ولا ظلم يغلف بالشعارات. الذئب لا يبرر افتراسه، والأسد لا يدعى الفضيلة، والفيل لا يشهد زوراً ولا ينكر حقاً. أما الانسان، فقد تجاوز هذه الحدود.
حيث أصبح الإنسان يأكل لحم أخيه الإنسان سواء أن كان جاراً أو صديقاً، أو أخ .. فقد نسينا أبسط قواعد الفطرة التي خلقنا الله عز وجل عليها، وصرنا نكذب على أنفسنا قبل أن نكذب على الآخرين، نسرق العدل باسم المصلحة، ونشهد الزور باسم البقاء.
صرنا نعيش في زمن غريب؛ زمن تتزين فيه الأكاذيب وتدفن فيه الحقائق، يمدح في الظالم ويلام فيه المظلوم، وتغتال فيه القيم باسم (التحضر).. لم تعد الغابة مكاناً بعيداً، بل تحولت إلى نمط حياة.
إن اخطر ما في واقعنا المعاصر ليس وجود الشر، بل القدرة على تبريره. وحين يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية، لا يكون مجرد كائن مخطئ، بل يصبح كائناً فقد إنسانيته، وانحدر إلى ما دون الفطرة.
ربما لم نعد بحاجة لإعادة مشاهدة (سيمبا)، بل لإعادة الاستماع إلى شارة البداية بآذان ناضجة. فالسؤال لم يعد: هل يفعل الحيوان ذلك؟ بل: كيف وصل الإنسان إلى أن يفعل ما لم يفعله الحيوان؟
[email protected]
أضف تعليق