رانية مرجية

ليست سورة مريم نصًّا وعظيًّا بالمعنى الشائع، ولا سجلًّا تاريخيًّا لمعجزات متفرّقة، بل هي بناء فكري متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والقدرة، وبين الضعف والمعنى. إنها سورة تُقوّض التصوّر السائد للقوّة بوصفها شرط الاصطفاء، وتستبدله بفكرة أكثر جذرية: الضعف ليس نقيضًا للكرامة، بل أحد شروط انكشافها.

تفتتح السورة بأحرف مقطّعة (كهيعص)، في حركة يمكن قراءتها بوصفها إعلانًا مبكرًا عن حدود العقل التفسيري. فالنصّ، منذ لحظته الأولى، لا يقدّم نفسه باعتباره موضوعًا قابلًا للاحتواء الكامل، بل كخطاب يتطلّب تواضعًا معرفيًّا. هذه الأحرف لا تُفسَّر بقدر ما تُختَبَر؛ إنها تضع القارئ في موقع المتلقّي الذي لا يملك السيطرة، وهي وضعية ستتكرّر في جميع شخصيات السورة.

يأتي زكريّا نموذجًا أوّل لهذا المنطق. الشيخوخة هنا ليست خلفية زمنية، بل حالة وجودية. الوهن لا يُذكَر بوصفه عارضًا جسديًّا، بل بوصفه انهيارًا تدريجيًّا للبنية التي اعتاد الإنسان الاتّكاء عليها: العظم، الرأس، الامتداد. ومع ذلك، لا يُقابَل هذا الانهيار باليأس، بل بدعاء خافت. الدعاء في سورة مريم ليس لغة طلب، بل لغة علاقة؛ ليس استعجالًا للنتيجة، بل استدعاء لذاكرة الثقة. وهذا التحوّل من منطق الاستحقاق إلى منطق القرب هو أول ملامح البنية الفكرية للسورة.

ثم تنتقل السورة إلى مريم، حيث يبلغ خطاب الضعف ذروته المفهومية. فمريم لا تواجه امتحان الجسد فقط، بل امتحان النظرة الاجتماعية. الحدث ليس في الحمل ذاته، بل في ما يستتبعه من عزلة، وصدمة، وانكشاف. هنا، تتخلّى السورة تمامًا عن أي نزعة تزيينية للشخصية، وتُظهر مريم في لحظة تمنّي العدم: يا ليتني متّ قبل هذا. هذا التصريح ليس خللًا إيمانيًّا، بل اعترافًا إنسانيًّا يشرّعه النصّ بدل أن يُنكره. في هذا الموضع، يقدّم القرآن طرحًا فكريًّا جريئًا: الإيمان لا يلغي الانكسار، بل يمرّ عبره.

الأمر الإلهي بهزّ جذع النخلة يُشكّل لحظة مفصلية في منطق السورة. فالمطلوب من الإنسان ليس إنتاج المعجزة، بل المشاركة الرمزية فيها. الحركة هنا لا تُقاس بنتيجتها، بل بدلالتها: رفض السكون. إنّ الله، في هذا السياق، لا يكافئ القوّة، بل المبادرة في لحظة العجز. وهذا يعيد تعريف الفعل الإنساني لا بوصفه سيطرة على الواقع، بل بوصفه انخراطًا أخلاقيًّا فيه.

ويأتي صمت مريم لاحقًا كاختيار معرفي لا كعجز لغوي. فحين يبلغ الاتهام ذروته، يُعلَّق الكلام، وتُحال الحقيقة إلى مصدرها. الصمت هنا ليس فراغًا، بل استراتيجية وجودية؛ إنه إعلان ثقة بأن المعنى لا يحتاج دائمًا إلى دفاع. وحين يتكلم الطفل، لا يبدأ بالمعجزة، بل بالهوية: إني عبد الله. وكأن السورة تؤكّد أن كل خطاب ديني لا يبدأ بالعبودية يتحوّل إلى استعراض.

تتوسّع السورة لاحقًا لتشمل نماذج نبوية أخرى، لكنها تحافظ على الخيط نفسه: لا انتصارات صاخبة، بل علاقات معقّدة. خطاب إبراهيم لأبيه يقدّم نموذجًا فكريًّا نادرًا في أدب الاختلاف؛ حيث لا تُلغى القطيعة العقدية، لكن يُحافَظ على الأدب الإنساني. وهذا يؤسّس لفكرة مركزية في السورة: الحقيقة لا تُبرَّر بالقسوة، ولا تحتاج إلى عنف لغوي كي تثبت.

في ختامها، تنزع السورة كل الأغطية: الأفراد آتون فرادى، بلا أنساب، بلا أوهام شفاعة. غير أنّ هذا التجريد لا ينتهي بالتهديد، بل بالتيسير. فالنصّ، في النهاية، كُتب ليُفهَم، لا ليُرهِب. وهذه المفارقة الختامية تُلخّص البنية الفكرية للسورة كلّها: العدل لا ينفصل عن الرحمة، والحساب لا يُلغِي القرب.

يمكن القول إن سورة مريم تقدّم خطابًا قرآنيًّا متقدّمًا حول الإنسان: إنسانٌ لا يُدان على ضعفه، بل على إنكاره له؛ إنسانٌ لا يُقاس بمظهر قوّته، بل بقدرته على البقاء أخلاقيًّا في لحظات الانكشاف. إنها سورة تُعيد الاعتبار للهشاشة بوصفها مساحةً لإنتاج المعنى، لا علامة نقص فيه

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]