أقرت وزارة الصحة الإسرائيلية بوجود إخفاقات عميقة في عمل منظومة الطوارئ الصحية خلال الساعات والأيام الأولى من هجوم السابع من أكتوبر، مؤكدة أن النظام الذي كان من المفترض أن يدير الحدث كحالة طوارئ عسكرية لم يعمل ولم يُفعّل فعليًا، ما أدى إلى غياب السيطرة وانعدام صورة ميدانية واضحة.
وجاء ذلك في تقرير شامل نشرته الوزارة بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب، استعرض أداء منظومة الصحة في مختلف المراحل، من التعامل داخل المستشفيات تحت القصف، مرورًا بإخلاء عشرات آلاف المدنيين، وصولًا إلى أزمة الكوادر الطبية والاستعداد لسيناريوهات أمنية مستقبلية، من بينها مواجهة محتملة مع إيران.
وقال المدير العام لوزارة الصحة، موشيه بار سيمان طوف، إن الانهيار تمثل في غياب تدفق المعلومات، وانعدام التنسيق بين الجهات المختلفة، وافتقار آليات القيادة والسيطرة، ما اضطر الوزارة إلى إنشاء منظومات جديدة “من الصفر” خلال القتال. وأضاف: “لم تكن لدينا القدرة على معرفة ما يجري على الأرض”، مشيرًا إلى أن العمل جرى في ظل ارتجال مستمر وتعلم أثناء الحدث.
ورغم الإخفاقات في المراحل الأولى، شددت الوزارة على أن المستشفيات نفسها أظهرت جاهزية مهنية عالية، وأن علاج المصابين الذين وصلوا إلى المنظومة المدنية جرى بمستوى طبي متقدم. ووفق المعطيات، فإن نسب الوفيات بين الجرحى الذين وصلوا إلى المستشفيات في 7 أكتوبر والأيام التي تلت كانت منخفضة نسبيًا مقارنة بحجم الحدث، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الفوضى التي رافقت عمليات الإخلاء وجمع المعلومات في الميدان.
من جهته، أوضح نائب المدير العام، د. تسفي مندلوفيتش، أن الوزارة بدأت خلال القتال نفسه بعملية استخلاص دروس واسعة شملت أكثر من 100 إجراء، جرى تطبيق جزء منها فعليًا، لا سيما في مجالات القيادة والسيطرة، وتعزيز غرفة الطوارئ، والتكامل مع “نجمة داوود الحمراء”، وتحديث التعليمات والتدريبات.
وتطرّق التقرير إلى التحدي المدني الواسع الذي واجهته المنظومة الصحية نتيجة إخلاء أكثر من 151 ألف مواطن من جنوب وشمال البلاد، إضافة إلى عشرات الآلاف الذين أخلوا منازلهم بشكل مستقل. وأكدت الوزارة أن تقديم الرعاية الطبية في مواقع الإيواء تم في ظروف غير مخططة، ما كشف الحاجة إلى جهة مركزية واحدة تدير عمليات الإخلاء والخدمات الصحية وتضمن استمرارية العلاج.
كما تناول التقرير الجدل الواسع حول علاج المسلحين الفلسطينيين المصابين، حيث أوضح المدير العام أن القرار كان معالجتهم في منشأة منفصلة أُقيمت في “سديه تيمان”، مع نقل الحالات المعقدة إلى مستشفيات عامة عند الحاجة، مؤكدًا أن ذلك جرى وفق القانون وأخلاقيات المهنة، رغم الحساسية الشعبية الكبيرة.
وفي ما يخص الاستعداد للمستقبل، أكدت الوزارة أنها ترفع مستوى الجهوزية تدريجيًا دون المساس الكامل بسير الحياة، مشيرة إلى أن التحدي يكمن في الموازنة بين الاستعداد لحالات طوارئ كبرى واستمرار العمل اليومي.
وسلّط التقرير الضوء على الضغط الهائل والإرهاق المستمر الذي تعرّضت له الطواقم الطبية، إلى جانب أزمة مزمنة في القوى العاملة. واعترف المدير العام بأن الأزمة ليست وليدة الحرب، بل نتيجة تراكمات طويلة، أبرزها الاعتماد على أطباء درسوا في مؤسسات غير معترف بها في الخارج، فيما يُعرف بظاهرة “الدراسة غير المعتمدة”. وأشار إلى أن نحو 40% من الأطباء الجدد في العقود الأخيرة تخرجوا من هذه المؤسسات، وأن الوزارة قررت وقف الاعتراف بها ورفع عدد طلاب الطب في إسرائيل بشكل كبير حتى عام 2030.
وفي مجال الصحة النفسية، حذر مسؤولون من تدهور واسع في الوضع النفسي للسكان وارتفاع حاد في الطلب على خدمات العلاج والدعم، مؤكدين أن المنظومة لم تكن مهيأة لحرب طويلة بهذا الحجم، ما يستدعي تغييرًا جذريًا في التعامل مع الطوارئ.
وختم كبار مسؤولي وزارة الصحة بالتأكيد على أن الهدف من التقرير ليس تلميع الصورة، بل كشف الإخفاقات واستخلاص العبر، تمهيدًا لإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، تُمكّن منظومة الصحة من مواجهة أزمات مستقبلية واسعة في ظل واقع أمني متقلب.
[email protected]
أضف تعليق